خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

الخماسية ترفع سقف الضغط: السيادة بالالتزام لا بالتصريحات

خاص – بيروت بوست

يحمل بيان سفراء الدول الخمس، بريطانيا والولايات المتحدة وأستراليا وكندا واليابان، رسائل سياسية تتجاوز ظاهره الدبلوماسي، إذ لا يقتصر على تجديد الدعم لحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، بل ينتقل إلى وضع القوى السياسية والبرلمان أمام اختبار علني، عنوانه تحديد الموقف من احتكار الدولة قرار الحرب والسلم. والأهم أن البيان يجمع بين ملف ضهر البيدر والاستحقاق السيادي، في توقيت يوحي بأن العواصم المعنية تريد الانتقال من مرحلة تسجيل المواقف إلى مرحلة المطالبة بالتزامات سياسية واضحة.

ويمكن تفكيك البيان إلى سبع نقاط أساسية:

1. انتقال الضغط من الحكومة إلى مجمل الطبقة السياسية

العبارة الأبرز في البيان ليست تأكيد دعم الحكومة في حصرية السلاح، بل الدعوة إلى التزام علني وواضح من جميع أعضاء مجلس النواب وجميع الأحزاب.

هنا تكمن النقلة السياسية الأساسية. فالسفراء لا يكتفون بمطالبة السلطة التنفيذية بتنفيذ تعهداتها، بل يريدون توسيع دائرة المسؤولية لتشمل البرلمان والأحزاب، بما يعني عملياً إخراج ملف السلاح من إطار التجاذب الحكومي ووضع القوى السياسية أمام موقف لا يحتمل الالتباس.

والأهم أن المطلوب ليس موقفاً عاماً من سيادة الدولة، بل تأييد صريح لمعادلة محددة: الدولة وحدها تقرر الحرب والسلم.

2. وضع القوى السياسية أمام اختبار المواقف

استخدام عبارة «التزام علني وواضح» يحمل دلالة تتجاوز الصياغة الدبلوماسية التقليدية. فالمطلوب ليس تأييداً ضمنياً أو موقفاً قابلاً للتأويل، بل إعلان سياسي يمكن الاستناد إليه لاحقاً في تقييم مواقف الكتل النيابية والأحزاب.

وهذا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفرز السياسي، حيث يصبح الصمت أو التهرب من إعلان الموقف مادة للتساؤل والضغط، خصوصاً بالنسبة إلى القوى التي تحاول الجمع بين المشاركة في المؤسسات الدستورية والاحتفاظ بمواقف ملتبسة من مسألة السلاح وقرار الحرب.

3. تحميل ملف ضهر البيدر أبعاداً تتجاوز الحادثة نفسها

إدراج قضية ضهر البيدر في البيان ليس تفصيلاً عابراً. فالسفراء يربطون بين المسار القضائي ومفهوم سيادة الدولة، ويشددون على ضرورة أن يكون التحقيق سريعاً ومستقلاً وبعيداً عن التدخل السياسي.

وهنا تبرز رسالتان:

  • الأولى، أن المجتمع الدولي يتابع كيفية تعاطي السلطات اللبنانية مع القضية، ولن يكتفي بالإجراءات الشكلية.
  • الثانية، أن استقلال القضاء والمساءلة يشكلان جزءاً من استعادة سلطة الدولة، وليس مجرد شأن قضائي داخلي.

كما أن التشديد على المساءلة الكاملة يوحي بأن المطلوب ليس احتواء تداعيات القضية سياسياً، بل الوصول إلى نتائج قضائية واضحة.

4. تثبيت مرجعية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة

من اللافت أن البيان لم يكتفِ بتأكيد مبدأ حصرية السلاح، بل استند تحديداً إلى تصريحات رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء.

هذا الاختيار يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ يمنح الموقف الرئاسي والحكومي غطاءً دولياً، ويحوّله إلى مرجعية يُطلب من القوى السياسية إعلان تأييدها لها.

بمعنى آخر، لا يبدو أن السفراء يريدون فتح نقاش جديد حول تعريف السيادة، بل تثبيت ما سبق أن أعلنته الرئاسات اللبنانية، وتحويله إلى التزام سياسي جامع.

وفي الوقت نفسه، فإن هذا التثبيت يضع الرئاستين أمام مسؤولية إضافية، لأن الدعم الدولي للمواقف المعلنة يفترض أن يواكبه مسار تنفيذي قابل للقياس.

5. غياب أي إشارة إلى تسوية أو مقاربة تدريجية

لا يتضمن البيان إشارات إلى الحوار الوطني أو التفاهمات الداخلية أو خصوصية التوازنات اللبنانية، كما لا يتحدث عن مراحل أو مهل زمنية لتنفيذ حصرية السلاح.

هذا الغياب مهم، لأنه يعكس أولوية واضحة لدى الدول الخمس: تثبيت مبدأ احتكار الدولة قرار الحرب والسلم، قبل الدخول في تفاصيل الآليات والتسويات السياسية والأمنية.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن هذه الدول تملك تصوراً موحداً لكيفية التنفيذ، أو أنها تدفع باتجاه مواجهة داخلية. ما يمكن استخلاصه هو أنها ترفع سقف الموقف السياسي، وتترك للسلطات اللبنانية مسؤولية ترجمة هذا المبدأ إلى خطوات عملية.

6. استعادة السيادة على كامل الأراضي اللبنانية

تكرار مفهوم استعادة السلطة السيادية الفعلية على جميع الأراضي اللبنانية يوسع نطاق الرسالة، لتتجاوز جنوب الليطاني أو المناطق الحدودية أو أي ملف أمني محدد.

فالمقصود، وفق منطق البيان، ليس معالجة انتشار السلاح في منطقة دون أخرى، بل إعادة تكريس مرجعية الدولة على كامل الجغرافيا اللبنانية، بما يشمل القرار الأمني والعسكري والسياسي.

وهذه النقطة تضع البيان في سياق أوسع من النقاش الداخلي حول السلاح، إذ تربط استعادة السيادة بقدرة الدولة على فرض سلطتها الفعلية، لا بمجرد امتلاكها الصلاحيات الدستورية.

7. الرسالة الضمنية: الانتقال من تأييد التصريحات إلى اختبار التنفيذ

هذه هي النقطة الأكثر أهمية في البيان. فالدول الخمس لا تعلن فقط دعمها للحكومة اللبنانية، بل تطالب بتعهدات سياسية علنية، وتراقب مساراً قضائياً محدداً، وتعيد التأكيد على استعادة السيادة الفعلية.

بذلك، ينتقل الخطاب الدبلوماسي من مرحلة الترحيب بالمواقف الرسمية إلى مرحلة المطالبة بإثبات القدرة على ترجمتها.

الخلاصة السياسية: بيان ضغط لا بيان مجاملة

يمكن قراءة البيان باعتباره محاولة لإعادة رسم حدود الموقف السياسي المطلوب من القوى اللبنانية، عبر ثلاث حلقات مترابطة:

  • الرئاسات: تثبيت مواقف رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة مرجعيةً سياسية.
  • البرلمان والأحزاب: انتزاع التزام علني لا يحتمل التأويل من جميع القوى السياسية.
  • الحكومة والقضاء: اختبار جدية الدولة في تنفيذ تعهداتها وإدارة الملفات الحساسة باستقلالية.

لكن ثمة تفصيلاً يستحق التوقف عنده: البيان لا يتضمن تهديداً مباشراً أو تلويحاً بعقوبات أو إجراءات محددة، كما لا يحدد مهلة زمنية للحصول على الالتزام المطلوب. لذلك، من المبكر اعتباره إنذاراً دولياً أو قراراً بفرض مسار معين.

سياسياً، الرسالة الأوضح هي أن الدول الخمس لم تعد تكتفي بسماع المواقف اللبنانية حول السيادة وحصرية السلاح، بل تريد تحويلها إلى تعهدات علنية من القوى السياسية كافة، يمكن محاسبتها سياسياً على أساسها لاحقاً.

والسؤال الذي يتركه البيان مفتوحاً: هل يشكل مقدمة لتوحيد الموقف اللبناني تحت سقف رئاسي وحكومي واحد، أم أنه يفتح الباب أمام اختبار سياسي جديد يكشف حجم الهوة بين خطاب السيادة والاستعداد الفعلي لترجمته؟

وهنا تكمن المفارقة: الدول الخمس تؤيد تصريحات الرئاستين، لكنها في الوقت نفسه تطلب من بقية القوى السياسية إعلان تأييدها لها. وكأنها تقول إن المشكلة لم تعد في غياب الموقف الرسمي، بل في غياب الإجماع السياسي على تحويله إلى واقع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى