
خاص – بيروت بوست
يشكّل الانسحاب الأميركي الكامل من العراق، الذي أُنجز في نهاية أيلول بعد أكثر من عقدين على الوجود العسكري الأميركي، محطة تتجاوز في دلالاتها الحدود العراقية، خصوصاً في ظل استمرار التوتر الحاد بين واشنطن وطهران. وبينما ترى إيران وحلفاؤها في الخطوة مكسباً سياسياً واستراتيجياً، تبرز في المقابل أسئلة عراقية حول قدرة الدولة على إدارة التوازنات الداخلية ومنع تحوّل الفراغ العسكري الأميركي إلى فراغ سياسي وأمني تستفيد منه القوى الأكثر ارتباطاً بطهران.
المسألة الأهم، في قراءة المشهد العراقي، لا تكمن فقط في خروج القوات الأميركية، بل في ما سيأتي بعده. فالعراق يحاول منذ سنوات الإمساك بعصا التوازن بين واشنطن وطهران، فيما تحتفظ فصائل مسلحة موالية لإيران بنفوذ سياسي وأمني يتجاوز أحياناً الإطار الرسمي للدولة. وقد واجهت الحكومة العراقية بالفعل معضلة دقيقة: مطالبة الفصائل بحصر السلاح بيد الدولة، من دون الذهاب إلى مواجهة داخلية يمكن أن تهدد الاستقرار السياسي والأمني.
ومن هنا يمكن فهم فكرة «الطريق العراقية الخاصة»: أي محاولة إنتاج تسوية وطنية لا تقوم على الانحياز الكامل إلى واشنطن، ولا على التسليم الكامل بالنفوذ الإيراني. غير أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بقدرة المؤسسات العراقية على فرض قواعد الدولة، وبمدى استعداد القوى المسلحة للقبول بإعادة تنظيم علاقتها بالسلطة المركزية. فالانسحاب الأميركي لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الأميركي، كما أن غياب القوات الأميركية لا يعني تلقائياً سيطرة إيرانية مطلقة على القرار العراقي.
لبنانياً، تكمن أهمية التطور في المقارنة أكثر من التشابه. فبيروت تواجه، وإن ضمن ظروف مختلفة، معادلة شبيهة في جوهرها: دولة تحاول استعادة قرارها السيادي، في مقابل قوة سياسية وعسكرية مرتبطة عضوياً بمحور إقليمي، وفي ظل ضغط أميركي متزايد لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. وقد ربطت تحليلات دولية بين المأزق العراقي والمأزق اللبناني تحديداً، باعتبار أن الحكومتين تواجهان معضلة كيفية التعامل مع قوى مسلحة ذات صلات وثيقة بإيران من دون التسبب بانفجار داخلي.
وهنا تبرز الرسالة الأهم لبيروت: انسحاب الأميركيين من العراق لا يعني أن واشنطن تخلّت عن المنطقة، بل قد يعني انتقال أدوات التأثير من الوجود العسكري المباشر إلى الضغط السياسي والاقتصادي والأمني. وهذا ما يجعل لبنان معنياً بما ستؤول إليه التجربة العراقية، خصوصاً أن واشنطن وطهران لا تزالان في حالة توتر، فيما تشير تقارير حديثة إلى استعداد طهران وحلفائها الإقليميين لسيناريوهات تصعيد جديدة، تشمل حلفاء إيران في لبنان والعراق.
وعليه، فإن السؤال الذي يفرض نفسه في بيروت ليس ما إذا كان لبنان سيشهد «انسحاباً أميركياً» مشابهاً، بل ما إذا كان يستطيع إنتاج مسار لبناني مستقل قبل أن تتحول البلاد إلى ساحة لتوازنات إقليمية جديدة. فالمعادلة المقبلة قد لا تكون ببساطة «أميركا في مواجهة إيران»، بل صراعاً على شكل الدولة نفسها: من يملك قرار الحرب والسلم، ومن يحتكر السلاح، وكيف تُدار العلاقة مع الخارج.
وفي هذا المعنى، قد يحمل العراق درساً مبكراً للبنان: حين يتراجع الحضور العسكري الأميركي، لا تختفي المعركة، بل تنتقل إلى الداخل؛ وهناك تصبح قدرة الدولة على بناء تسوية وطنية، لا تُفرض بالكامل من الخارج ولا تترك القرار للنفوذ الإقليمي، العامل الحاسم في تحديد شكل المرحلة المقبلة.

