
خاص – بيروت بوست
لا تكمن الرسالة الأبرز في كلام قائد الجيش العماد رودولف هيكل في تأكيده أن المؤسسة العسكرية ستقف سدّاً منيعاً أمام أي إشكال داخلي، بل في توقيت إطلاق هذا الموقف ومضمونه، والجهة التي أراد توجيه الرسالة إليها، في ظل تصاعد الحملات السياسية والإعلامية التي تستهدف أداء الجيش، وصولاً إلى اتهامه بعرقلة تنفيذ قرار حصر السلاح بيد الدولة.
فمن خلال القراءة المتأنية للكلام، يمكن رصد انتقال واضح من موقع الدفاع عن أداء المؤسسة العسكرية إلى محاولة تثبيت معادلة سياسية وأمنية تتجاوز السجال القائم حول آليات نزع السلاح. فالقائد لا يتحدث عن إنجازات عسكرية فحسب، ولا يكتفي بالرد على الانتقادات، بل يعيد رسم حدود الدور الذي يرى أن الجيش يستطيع القيام به، والمرتكزات التي تحكم تحركه في مرحلة شديدة الحساسية.
اللافت أن هيكل جمع في خطابه بين ثلاث رسائل مترابطة: رفض إخضاع المؤسسة العسكرية للتجاذبات السياسية، التمسك بتنفيذ قرارات السلطة السياسية، والتحذير من أن الخطر الإسرائيلي لا يزال يشكل التهديد الأساسي للبنان. وهذا الجمع ليس تفصيلاً لغوياً، بل يعكس مقاربة قيادة الجيش لطبيعة المرحلة وتعقيداتها.
أولاً: لا تجعلوا الجيش طرفاً في الاشتباك السياسي
عندما يتحدث قائد الجيش عن جهات في الداخل والخارج تنتقد أداء المؤسسة العسكرية من دون معرفة طبيعة عملها، فهو لا يرد على انتقاد عابر، بل يضع إصبعه على مشكلة تتجاوز شخصه إلى موقع المؤسسة العسكرية في المعادلة اللبنانية.
فالحملة التي يتعرض لها هيكل، ولا سيما من جانب القوات اللبنانية وبعض النواب التغييريين، لا تتعلق فقط بتقييم الخطوات العملانية التي اتخذها الجيش في ملف السلاح، وإنما تتصل أيضاً بتحديد سقف الدور المطلوب منه، وبمدى استعداده للانتقال من تنفيذ خطة تدريجية إلى إجراءات أكثر حسماً، حتى لو تطلب الأمر مواجهة ميدانية مع حزب الله.
وقد وصل السجال إلى حد إعلان سمير جعجع أن حزبه بحث إمكانية المطالبة باستبدال قائد الجيش، على خلفية ما يعتبره افتقاراً إلى الحزم في فرض سلطة الدولة. وفي المقابل، تشير القراءة التي نشرتها «لوريان لوجور» إلى أن الانتقادات لم تعد محصورة بالداخل، بل ترافقت مع ضغوط أميركية بسبب ما تعتبره واشنطن تقدماً غير كافٍ في ملف ترسانة حزب الله.
من هنا، يمكن فهم كلام هيكل باعتباره رفضاً لتحويل القيادة العسكرية إلى عنوان لتحميله وحده مسؤولية التعثر السياسي في ملف حصر السلاح.
فهو يقول بوضوح إن الجيش يعمل على إنجاح قرارات السلطة السياسية. وهذه العبارة تحمل دلالة أساسية: المؤسسة العسكرية ليست سلطة تقرير سياسي، ولا تستطيع أن تستبدل قرار الحكومة بتقدير مستقل منها، ولا أن تتحمل منفردة تبعات خيارات لم توفر لها السلطة السياسية بالضرورة الغطاء الوطني والسياسي والعملياتي اللازم.
لكن في المقابل، لا تعني هذه العبارة إعفاء الجيش من مسؤولية تنفيذ القرارات، بل تضع النقاش في إطاره الصحيح: ما المطلوب منه تحديداً؟ وما الإمكانات المتاحة؟ وما حدود التكليف السياسي؟ ومن يتحمل مسؤولية النتائج إذا تحول التنفيذ إلى مواجهة داخلية؟
ثانياً: رسالة تتجاوز الأمن إلى السلم الأهلي
تستحق عبارة قائد الجيش: «سيقف الجيش سداً منيعاً في وجه أي إشكال في الداخل» قراءة مستقلة، لأنها تأتي في لحظة تتزايد فيها المخاوف من انتقال الخلاف حول السلاح من المؤسسات السياسية إلى الشارع.
فالجيش يدرك أن أي محاولة لمعالجة ملف بالغ الحساسية من دون توافق سياسي أو غطاء وطني واسع قد تضعه أمام اختبار يتجاوز قدراته العسكرية التقليدية، وهو اختبار تماسك المؤسسة نفسها، وعلاقتها بمختلف المكونات اللبنانية.
هنا تكمن أهمية الرسالة. هيكل لا يتحدث عن مواجهة طرف لبناني بعينه، ولا يعلن عن خطة أمنية جديدة لمصادرة السلاح بالقوة، بل يرسم خطاً أحمر عنوانه منع الانزلاق إلى اضطراب داخلي.
هذا لا يعني أن الجيش يتخلى عن مهمة بسط سلطة الدولة، وإنما يعني أن قيادته تريد الفصل بين تنفيذ المهمات العسكرية والأمنية المقررة، وبين الانجرار إلى مواجهة داخلية قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
فالتجارب اللبنانية السابقة تجعل مسألة الحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية عنصراً أساسياً في أي مقاربة لملف السلاح. فالمطلوب ليس فقط إنجاز مهمة ميدانية، بل ضمان ألا تتحول هذه المهمة إلى شرخ داخل المؤسسة أو إلى صدام أهلي أوسع.
ثالثاً: لماذا أعاد هيكل وضع إسرائيل في صدارة التهديدات؟
من أبرز ما يستوقف في الخطاب أن قائد الجيش لم يسمح للسجال الداخلي حول نزع السلاح بأن يحجب، في نظره، التهديد الإسرائيلي.
فهو يصف استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية بأنه المشكلة الأساسية والخطر الأول الذي يواجه البلاد، ويربط استعادة السيادة بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة.
هذه ليست مجرد إعادة تأكيد لموقف لبناني رسمي، بل تحمل أيضاً رسالة إلى الأطراف التي تحصر تقييم أداء الجيش بمدى تقدمه في ملف السلاح: لا يمكن فصل مهمة بسط سلطة الدولة عن البيئة الأمنية التي تعمل فيها المؤسسة العسكرية.
وكان هيكل قد تحدث سابقاً عن تأثير الاعتداءات الإسرائيلية في قدرة الجيش على تنفيذ خطته، في وقت كانت فيه المؤسسة العسكرية تواجه ضغوطاً داخلية وخارجية، وإمكانات محدودة.
من هنا، فإن وضع الاحتلال في صدارة المخاطر يعيد ترتيب الأولويات في الخطاب العسكري، ويشير إلى أن القيادة لا تريد التعامل مع ملف السلاح باعتباره قضية منفصلة عن الاعتداءات الإسرائيلية والوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية.
في هذا السياق أيضاً، تأتي إشارته إلى ضرورة استمرار مهمة اليونيفيل، باعتبارها جهة توثق الخروقات والاعتداءات وتراقب تنفيذ القرارات الدولية. أي أن هيكل يربط حماية السيادة بوجود آليات رقابة دولية، لا بمجرد انتشار الجيش اللبناني.
رابعاً: هل يتهم خصومه بمحاولة إضعاف المؤسسة العسكرية؟
ثمة بعد سياسي مهم في كلام قائد الجيش، يتمثل في ربطه بين انتقاد المؤسسة العسكرية ومحاولة تشويه صورتها، وصولاً إلى اعتبار هذا السلوك مخالفاً للانتماء الوطني.
هذه العبارة تحمل نبرة دفاعية واضحة، لكنها تتجاوز الدفاع عن الأداء اليومي للجيش. فالمؤسسة العسكرية، في ظل الانقسام السياسي الحالي، تخشى أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الداخلية، أو أن تصبح رهينة لتباين المقاربات الخارجية حيال مستقبل السلاح في لبنان.
الأهم أن تصاعد المطالبات بتغيير قائد الجيش يفتح نقاشاً آخر: هل المطلوب تغيير الشخص الذي يتولى القيادة، أم تغيير قواعد التعامل مع ملف السلاح، بما يشمل مستوى التكليف السياسي والإمكانات العسكرية والغطاء الداخلي؟
في المقابل، لا يمكن الجزم بأن جميع الانتقادات تستهدف المؤسسة العسكرية بحد ذاتها، فهناك اعتراضات سياسية على بطء التنفيذ ومطالبات بمحاسبة القيادة على نتائج الخطة. لكن في المقابل، فإن تحويل الخلاف حول الأداء إلى حملة لنزع الثقة بالمؤسسة يطرح مخاطر تتجاوز موقع القائد الحالي.
هنا تبرز أهمية التمييز بين حق القوى السياسية في مساءلة الجيش عن تنفيذ قرارات الدولة، وبين إخضاع المؤسسة لضغوط تدفعها إلى خيارات قد لا تكون قابلة للتنفيذ من دون تداعيات داخلية.
خامساً: العقدة الأساسية في شروط التنفيذ
من الضروري هنا العودة إلى الوقائع المعلنة، بعيداً عن السجال السياسي.
في 8 كانون الثاني 2026، أعلنت قيادة الجيش تحقيق أهداف المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح في جنوب الليطاني، مشيرة في الوقت نفسه إلى استمرار الأعمال المتعلقة بالأنفاق والذخائر غير المنفجرة، وإلى أن الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال والقدرات العسكرية التي لم تصل إلى الجيش تؤثر في استكمال المهمات. الموقع الرسمي للجيش اللبناني
وفي شباط، أُعطيت المؤسسة العسكرية مهلة أربعة أشهر قابلة للتجديد للتقدم في المرحلة التالية، مع ربط ذلك بالإمكانات والاعتداءات الإسرائيلية والعوائق الميدانية، فيما أعلن حزب الله رفضه للمسار المطروح.
هذه الوقائع تكشف أن المشكلة لا تختصر بموقف قائد الجيش أو إرادته الشخصية. هناك ثلاثة مستويات متداخلة:
- المستوى السياسي: هل هناك قرار وطني متماسك، أم أن الحكومة تريد من الجيش تنفيذ مهمة لا تزال القوى السياسية منقسمة حول وسائلها وتداعياتها؟
- المستوى العسكري: هل يمتلك الجيش العتاد والقدرات والموارد البشرية واللوجستية الكافية لتنفيذ المهمات المطلوبة؟
- المستوى الأمني: كيف يمكن تنفيذ خطة حصر السلاح في ظل استمرار الاحتلال والضربات الإسرائيلية، ورفض حزب الله التخلي عن سلاحه في الظروف الراهنة؟
وقد تناول مركز كارنيغي للشرق الأوسط هذه المعضلة في قراءة نشرها في آذار 2026، مشيراً إلى أن المواجهة العسكرية المباشرة مع حزب الله قد تحمل مخاطر كبيرة على المؤسسة العسكرية، وعلى تماسكها وعلاقتها بالبيئة الاجتماعية التي ينتشر فيها الحزب. وهي قراءة تحليلية لا تلغي مسؤولية الجيش عن تنفيذ مهماته، لكنها تفسر جانباً من حسابات القيادة.
سادساً: ما الذي يريد هيكل قوله؟
يمكن قراءة الخطاب باعتباره موجهاً إلى ثلاث جهات أساسية:
- إلى رئيس الجمهورية والحكومة: الجيش ملتزم بالقرارات الرسمية، لكنه ليس بديلاً عن السلطة السياسية، ولا ينبغي تحميله وحده نتائج الخلافات المتعلقة بكيفية تنفيذها.
- إلى القوى السياسية الداخلية: لن يكون الجيش أداة في مواجهة سياسية أو طائفية، ولن يسمح بأن تتحول أزمة السلاح إلى فتنة داخلية.
- إلى العواصم الخارجية: لا يمكن تقييم أداء الجيش بمعزل عن واقع الاحتلال والاعتداءات والإمكانات المتوافرة له، كما أن المؤسسة لن تتصرف بناء على رهانات على تغيرات إقليمية أو دولية.
والرسالة الأخيرة تستحق التوقف خصوصاً عند قوله إن القيادة لا تراهن على أي متغيرات دولية أو إقليمية.
فهذا الكلام يمكن فهمه باعتباره تأكيداً أن الجيش سيواصل العمل وفق حساباته الميدانية والقرارات الرسمية، لا وفق توقعات بأن تتغير الظروف الإقليمية لمصلحة لبنان أو أن يأتي تطور خارجي ليحل العقدة القائمة.
سابعاً: السيناريوهات المحتملة بعد هذا الموقف
يمكن وضع ثلاثة مسارات أمام المرحلة المقبلة:
1. استمرار المواجهة السياسية والإعلامية: من المرجح أن يبقى أداء الجيش مادة للتجاذب، خصوصاً إذا لم تظهر نتائج عملانية واضحة في المرحلة المقبلة من خطة حصر السلاح. وعندها قد تتجدد المطالبات بتغيير القيادة أو تعديل مقاربتها.
2. محاولة إنتاج تفاهم سياسي جديد: قد تدفع مواقف هيكل إلى إعادة النقاش إلى طاولة المؤسسات الدستورية، بحيث تتولى الحكومة تحديد المهمات والأولويات والمهل والإمكانات، بدلاً من ترك قائد الجيش في مواجهة الانتقادات من دون حسم سياسي.
3. تصاعد الضغوط الخارجية: إذا استمر التباين بين التوقعات الدولية والقدرات الفعلية للجيش، فقد يصبح موقع القيادة العسكرية نفسه جزءاً من النقاش المتعلق بالمساعدات والدعم والتعاون العسكري، بما يضع المؤسسة أمام اختبار إضافي.
الخلاصة الاستراتيجية: هيكل يضع حدوداً للمهمة
عليه، لا يمكن اعتبار كلام قائد الجيش إعلان مواجهة مع القوى التي تنتقده، ولا تراجعاً عن قرار حصر السلاح بيد الدولة. لكنه يشكل دفاعاً واضحاً عن المقاربة التي تعتمدها القيادة، ومحاولة لتثبيت مجموعة من الثوابت في لحظة تتزايد فيها الضغوط عليها.
والأهم أن هيكل لم يقل إن الجيش عاجز عن تنفيذ قرار الدولة، ولم يقل إنه يرفض استكمال خطة حصر السلاح، بل أعاد التأكيد على أن مهمته هي إنجاح قرارات السلطة السياسية وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
لكن في المقابل، وضع خطاً فاصلاً بين تنفيذ هذه المهمة وبين الانزلاق إلى مواجهة داخلية تهدد الاستقرار ووحدة المؤسسة العسكرية.
فالمعضلة الحقيقية أن بعض القوى السياسية تريد من الجيش أن يكون أكثر حزماً في ملف السلاح، فيما تبدو قيادة الجيش معنية أولاً بضمان ألا يؤدي الحزم المطلوب إلى انفجار داخلي يطيح بالمهمة وبالمؤسسة معاً.
هنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه السلطة السياسية قبل توجيه المزيد من الانتقادات إلى اليرزة: هل المطلوب من الجيش تنفيذ قرار حصر السلاح ضمن خطة متدرجة تحظى بتغطية وطنية وإمكانات واضحة، أم المطلوب منه الانتقال إلى مواجهة ميدانية مفتوحة من دون ضمانات لنتائجها؟
فبين هذين الخيارين تقع المسافة التي تحاول قيادة الجيش إبقاءها تحت السيطرة.
أما الرسالة الأبعد في كلام هيكل فهي أن الجيش لن يقبل بأن يتحول إلى كبش محرقة لتناقضات الطبقة السياسية، أو أن يدفع وحده ثمن قرار لم تحسم الدولة بعد كل مستلزماته السياسية والأمنية والعسكرية.





