خاصإقليميدولينزاعات وصراعات

كتب عماد رزق
مستشار في الشؤون الامنية

في غرفة عمليات أمريكية، كانت الشاشات تومض بتحذيرات متتالية. صاروخ باليستي إيراني يقترب من الأردن. الضابط المسؤول يعطي الأمر: اعترضوه. لكن الأمر لم يكن الوحيد. ففي غضون دقائق، انطلق 70 صاروخ باتريوت لاعتراض 20 صاروخاً فقط. تكلفة الاعتراض الواحد: 350 مليون دولار. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا هذا الإسراف؟ الجواب ليس تكتيكياً، بل استراتيجي: إيران تختبر قدرة أمريكا على الاستمرار. والنتيجة صادمة.

الثغرة الصارخة
قبل الحرب، كانت الترسانة الأمريكية تضم 2200 صاروخ باتريوت و452 صاروخ ثاد. بحلول يوليو 2026، انخفض مخزون ثاد إلى أقل من 278، والباتريوت إلى أقل من 827. استهلك الجيش 80% من صواريخ ثاد ونصف صواريخ باتريوت. هذه ليست أرقاماً عابرة، بل ناقوس خطر. فالصواريخ الاعتراضية لا تُشترى من السوق. تحتاج سنوات لتصنيعها. والعقود الضخمة التي أبرمها البنتاغون — 24.4 مليار دولار لصواريخ SM-6، و58.6 مليار دولار لباتريوت — لن تعيد الصواريخ المستهلكة فوراً. الحرب تُستهلك في ساعات، والترسانة تُبنى في سنوات.

اعتراض انتقائي..من يُنقذ ومن يُترك
تقارير NBC كشفت أن القادة الأمريكيين ينتقون الصواريخ التي يعترضونها. بعض الصواريخ الإيرانية تُترك تسقط إذا كانت متجهة إلى مناطق غير مأهولة. لماذا؟ لأن الصاروخ الإيراني يكلف 500 ألف دولار، والباتريوت 5 ملايين. معادلة استنزاف غير متكافئة. واشنطن تخوض حرباً اقتصادية ضد نفسها. والنتيجة: تضررت مقاتلات أمريكية في قاعدة موفّق السلطي بالأردن. لم يقتل جنود، لكن الرسالة وصلت: أمريكا لم تعد قادرة على حماية كل شيء.

الردع يتراجع..والحلفاء يقلقون
هذا النقص لا يهدد الشرق الأوسط فقط. أوكرانيا لم تعد تتلقى صواريخ اعتراضية. وتايوان تراقب بقلق. والحلفاء الخليجيون يخشون أن أي تصعيد جديد سيجدهم بلا مظلة. واشنطن، التي لطالما وعدت بحماية الخليج، باتت حليفاً أقل قوة وموثوقية. والفراغ يملؤه من؟ إيران، وروسيا، والصين.

اليمن..مختبر الحرب الكبرى
في اليمن، لم تكن الضربات الإسرائيلية على الحوثيين مجرد رد. صحيفة وول ستريت جورنال نقلت عن مسؤولين إسرائيليين أن هذه الغارات كانت تدريباً عملياتياً لضرب إيران. المسافة بين إسرائيل وبعض الأهداف الإيرانية تتراوح بين 1500 و2000 كيلومتر. التزود بالوقود جواً، التنسيق بين 6 إلى 10 طائرات، اختبار الدفاعات الجوية. كل ذلك حدث فوق اليمن. وباب المندب، الذي يخنق الاقتصاد الخليجي، أصبح ورقة ضغط. من يهدد الناقلات؟ الحوثيون. ومن يدفع الثمن؟ الخليج.

حلف مكة..تآكل
في أغسطس 2026، وُقّع “حلف مكة” بين تركيا والسعودية وباكستان. بدا وكأنه بديل أمني. لكن سرعان ما تراجعت تركيا. وزير الخارجية هاكان فيدان أعلن: “لن نرسل قوات لضرب الحوثيين في اليمن”. الاتفاقية دفاعية لا هجومية. لماذا؟ لأن أنقرة تريد 50 مليار دولار من الصفقات مع واشنطن: بوينغ، إف-35، غاز، رفع عقوبات. أردوغان اختار العسل. وباكستان تفضل الوساطة. الحلف سقط قبل أن يقف.

السعودية..بين ضغط الصواريخ ورفض التطبيق
ترامب لم يستجب لطلب محمد بن سلمان بقصف الحوثيين حول باب المندب.
السبب؟ الرياض ترفض التطبيع والتخلي عن حل الدولتين. وترامب ونتنياهو يضغطان قبل انتخاباتهم. الرسالة المشفرة: اختاري. لكن السعودية لا تريد أن تدفع فاتورة حرب ليست حربها.

أمام الخليج ثلاثة خيارات: الضغط لوقف الحرب، العودة إلى قرار 2216 وحكومة وحدة، أو مصالحة خليجية حقيقية. وكلها تتطلب وحدة. “ذي إيكونوميست” قالت: الخليجيون يملكون، إن وحدوا صفوفهم، سلاحاً يعادل مفعوله السلاح النووي: النفط. واجتماع صلالة، الذي جمع الخليج وإيران بدون تدخل خارجي، كان بارقة أمل. لكنه يحتاج قراراً.

الخلاصة
حرب الخليج الرابعة لم تعد صراعاً على أرض. إنها اختبار لثلاث معادلات: عسكرية، سياسية، استراتيجية. واشنطن تستنزف، والحلفاء يتراجعون، واليمن مختبر، وإيران تبتسم. الرسالة النهائية: القدرة على التصعيد لا تعني القدرة على الاستمرار. وعلى الخليج أن يختار: وحدة، أم فاتورة يدفعها وحده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى