خاصإقليميدولينزاعات وصراعات

التفاوض والتخفي …. مقدمة للسلام مع اسرائيل


كتب عماد رزق
مستشار في الشؤون الامنية

في مثل هذا اليوم قبل ثلاثين عامًا، وتحديدًا في نوفمبر 1993، كانت العاصمة الأردنية عمّان على موعد مع واحدة من أكثر اللقاءات سرية في تاريخ الشرق الأوسط. لقاء لم تكن تفاصيله لترى النور لولا قرار مركز بيريز للسلام والابتكار بنشر وثائق أرشيفية واقتباسات حصرية، بمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة شيمون بيريز، لتكشف النقاب عن “شهادة سلام” خطتها يد الزعيمين، ومهدت الطريق لمعاهدة وادي عربة عام 1994.

تنكر فكان السلام..كيف دخل بيريز عمّان؟
لم يكن الطريق إلى قصر الملك حسين مفروشًا بالورود، بل كان محفوفًا بالسرية المطلقة. ففي 26 أكتوبر 1993، وصلت رسالة دراماتيكية من البلاط الملكي الهاشمي إلى الحكومة الإسرائيلية، تفيد برغبة الملك حسين في لقاء سري مع وزير الخارجية شيمون بيريز، الذي كان الملك يعتبره “مفكرًا مبدعًا” وصاحب قدرات خلاقة في التفكير. لم يتردد بيريز، وبعد أيام قليلة، وتحديدًا في نوفمبر 1993، عبر جسر اللنبي متخفيًا، حيث غيّر ملامح وجهه وارتدى قبعة فيدورا وشاربًا مستعارًا، ليصل إلى قصر رغدان في عمّان حيث كان الملك بانتظاره.

“لم يتبق لي سوى سنة أو سنتين”..
كانت الكلمات الأولى للملك حسين تحمل ثقل التاريخ وضغط الزمن. ففي محادثة صريحة، كشف الملك عن إحساسه العميق بأن أيامه في الحكم باتت معدودة، قائلاً لبيريز بلهجة الواثق من إرثه: “ربما لم يتبق لي سوى سنة أو سنتين. سأخاطر بكل شيء”. ولم يكن هذا الشعور مجرد حدس، بل كان مدفوعًا بذكرى أليمة، حيث استحضر الملك حسين مأساة اغتيال جده الملك عبد الله الأول عام 1951، معبرًا عن رغبته في ترك “أفضل إرث ممكن” لشقيقه الأمير حسن وللحكومة بأكملها. وقد لخص إلحاحه بجملة أصبحت محفورة في ذاكرة الدبلوماسية: “التاريخ مثل حصان يركض. إما أن تمتطيه أو تنزل عنه، وسيواصل الحصان الركض بدونك”.

رؤية بيريز..من الحرب إلى تصميم”بنية تحتية” للسلام
في المقابل، لم يأتِ بيريز بخطاب سياسي تقليدي، بل قدم رؤية اقتصادية إقليمية طموحة. طرح وزير الخارجية الإسرائيلي تصوره لتعاون يشمل “بنية تحتية إقليمية حديثة” تمتد عبر الموانئ البحرية والمطارات والطرق السريعة، ليكون بمثابة العمود الفقري لاتفاق سلام مستقبلي. وخاطب بيريز الملك قائلاً: “هناك اليوم دعم شعبي هائل لاتفاقية السلام. الشباب سئموا الحروب والفقر وانعدام الحرية”، في محاولة لإقناعه بأن السلام لم يعد خيارًا نخبويًا بل مطلبًا شعبياً. وقد وجدت هذه الرؤية صدى لدى الملك، الذي رد قائلاً: “أنا شريك في الالتزام بأن يحدث تغيير، وأن تتاح للأجيال الشابة فرصة العيش بأمان، وهو ما يُعرف بالسلام”.

وثيقة تفاهمات او اطار.. كانت جسر عبور من السري نحو العلن

في ختام ذلك اللقاء الليلي، وتحديدًا في نفس الليلة، قام الزعيمان بوضع الأحرف الأولى على مذكرة تفاهم تضمنت رؤوس أقلام شكلت الأساس المباشر لمعاهدة السلام. وقد طلب بيريز إعداد هذه الوثيقة غير الرسمية ليعرضها على رئيس الوزراء إسحاق رابين، مؤكدًا أنهما “يعملان يدًا بيد” و”يريان الأمور بعين واحدة”، وأن كليهما يشعران بضيق الوقت ويسعيان لدفع “عربة السلام” معًا. وبعد أقل من عام، وفي أكتوبر 1994، وقعت إسرائيل والأردن معاهدة السلام رسميًا، لتتحول تلك الليلة السرية في عمّان إلى حجر الزاوية في تاريخ المنطقة.

مؤسسة “مركز بيريز للسلام والابتكار”
بعد مرور ثلاثة عقود، تصف مؤسسة “مركز بيريز للسلام والابتكار” هذا اللقاء بأنه “شهادة سلام” من زعيمين أرادا تغيير المنطقة. وقال حيمي بيريز، رئيس المركز: “من الصعب ألا تتأثر عند قراءة وثائق ذلك اللقاء التاريخي”. وبينما تتغير خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، تبقى تلك الوثائق شاهدًا على أن السلام، يبدأ متخفيًا..بانتظار ان يشرق نور الحق.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى