
كتب عماد رزق
مستشار في الشؤون الأمنية
الرافد البشري.. دماء سوفياتية في عروق الموساد؟
يطرح خبراء ISCS تساؤلاً جوهرياً حول الرابط البشري بين عبقرية الـ KGB القديمة وعمليات الموساد الحديثة. يشير التحليل الاستراتيجي للمركز إلى أن إسرائيل ورثت المدرسة السوفياتية جينياً وعقائدياً عبر رافدين رئيسيين:
أولهما، الهجرة السوفياتية الكبرى في التسعينيات، والتي تدفق خلالها أكثر من مليون يهودي سوفياتي إلى إسرائيل بعد انهيار الاتحاد. كان من بين هؤلاء آلاف العلماء، والمهندسين، والنوابغ في الفيزياء التطبيقية، والهندسة العكسية، والنانوتكنولوجي الذين تخرجوا من أرقى المعاهد العسكرية والأكاديمية السوفياتية. هؤلاء الخبراء وأبناؤهم شكلوا لاحقاً العصب التقني والعمود الفقري لوحدات النخبة الاستخبارية مثل (الوحدة 8200) ووحدات التطوير السري في الموساد.
أما الرافد الثاني فهو العقيدة الأمنية (Doctrine)؛ حيث يمثل الأرشيف الأمني السوفياتي مادة تدريسية إلزامية في مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي، الذي استنتج مبكراً أن التعديل المادي للقطع (Hardware Modification) يمنح تفوقاً استراتيجياً دائماً، لكونه عصياً على التحديثات والترقيعات البرمجية التي يمكن لمهندسي السيبرانيين كشفها وتحديثها بضغطة زر.
بروتوكولات الدفاع الراهنة.. الهروب نحو الماضي
أحدثت زلزلة عمليات 2024 مراجعة شاملة للمنظومات الدفاعية في محور (طهران – بكين – موسكو)، وأنهت زمن “الثقة العمياء” بالمنتجات التكنولوجية الجاهزة. اليوم، تتبنى هذه القوى بروتوكولات فحص معقدة وحرباً مضادة لحماية سلاسل توريدها الحساسة، يرصدها مركز ISCS في شقين:
الأول تكنولوجي مجهري: حيث تبنت مختبرات الدفاع بروتوكولات تفكيك تدميري وفحص صارم. تُستخدم اليوم المجاهر الإلكترونية الماسحة (SEM) لتسليط حزم إلكترونية على الرقاقات المستوردة ومقارنتها نانومترياً بصورة “الرقاقة الأم الأصلية” (Golden Chip) لكشف أي بوابات منطقية طفيلية مضافة (Hardware Trojans). كما يتم اللجوء إلى “الكشط الطبقي الكيميائي” بتجريد عينات عشوائية من طبقات السيليكون بواسطة الأحماض أو الليزر لتصوير مساراتها، مستعينين بتقنيات صينية متطورة للتصوير المقطعي الصناعي ثلاثي الأبعاد (Industrial CT Scanning) لرؤية ما بداخل بطاريات الليثيوم دون تفجيرها.
وفي إطار هذا التحالف التقني، أمنت الصين لإيران ما يُعرف بـ “سلاسل التوريد المغلقة” (Closed-Loop) حيث تشرف جهات سيادية على المكونات من خط الإنتاج الصيني حتى شحنها عبر طائرات خاصة دون المرور بأي دولة ترانزيت، بينما تنقل روسيا خبراتها العتيقة في الحرب الإلكترونية عبر بروتوكولات تشفير عسكرية تعتمد على القفز الترددي العشوائي السريع لمنع تفعيل أي شحنات مشبوهة عن بعد.
أما الشق الثاني فهو المفارقة التاريخية الأكبر؛ “الهروب نحو الماضي الميكانيكي”: لحماية الأسرار العليا، عادت القوى العظمى والإقليمية إلى التكنولوجيا البدائية (Low-Tech) كملجأ أخير للحصانة المطلقة. في الكرملين الروسي، لا زالت وكالة الحماية الفيدرالية (FSO) تستخدم الآلات الكاتبة الألمانية الميكانيكية التناظرية لكتابة المسودات والتقارير الحساسة الموجهة للرئيس بوتين، لأن الورق المكتوب ميكانيكياً لا يترك أثراً رقمياً ويستحيل اختراقه عن بُعد. كما أُعيد إحياء دفاتر التشفير الورقية اليدوية (One-Time Pad) غير القابلة للكسر رياضياً، وتوسعت الشبكات العسكرية في بناء خطوط ألياف ضوئية أرضية مستقلة معزولة تماماً عن شبكة الإنترنت العالمية، مع الاعتماد الحصري على الرسل البشريين والحقائب الدبلوماسية المادية المقفلة بنظام فيزيائي صارم.
في ختام هذا العرض لحرب العقول المستمرة، يخلص معهد ISCS في تقريره إلى توصية استراتيجية بالغة الأهمية: إن عصر الأمن السيبراني البرمجي قد انتهى لحساب أمن الهاردوير. وفي عالم يمكن فيه لكل رقاقة دقيقة أن تكون جاسوساً أو قاتلاً، لم تعد “البدائية التقنية الممنهجة” تراجعاً إلى الوراء، بل باتت الحصن الوحيد المتبقي لحماية السيادة والسرية والمحافظة على البقاء في مواجهة نانوتكنولوجي الموت العابر للقارات.

