تقدير موقف استراتيجي | واشنطن تعيد تعريف دورها في المنطقة: من إدارة الصراعات إلى هندسة التوازنات

خاص – بيروت بوست
بحسب تقرير نشره موقع “mako” الإسرائيلي، كشف السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص للرئيس دونالد ترامب إلى سوريا والعراق توم باراك، عن مقاربة مختلفة لواشنطن فيما خص الشرق الأوسط تقوم على تقليص الانخراط العسكري المباشر من دون الانسحاب من المنطقة، ودفع الحلفاء إلى تحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم، في وقت تبرز فيه ترتيبات إقليمية تجمع السعودية وتركيا وباكستان وربما مصر، وسط رسائل أميركية واضحة إلى إيران بأن باب التسوية لا يزال مفتوحًا.
ولعل الرسالة الأخطر في تصريحات توم باراك ليست أن الولايات المتحدة تستعد لمغادرة الشرق الأوسط، بل أنها لم تعد مستعدة لتحمل الكلفة الكاملة لحماية نظام إقليمي اعتادت إدارته لعقود. نحن أمام محاولة لإعادة توزيع الأعباء الأمنية والسياسية، مع الاحتفاظ بأدوات النفوذ والقدرة على التأثير في اتجاهات المنطقة، من دون التورط المباشر في كل مواجهة أو الالتزام بإنهاء كل أزمة.
أولاً: واشنطن لا تنسحب… بل تغيّر قواعد حضورها
تعكس تصريحات السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، توجهاً يتجاوز التبدل التكتيكي في السياسة الأميركية، ليصل إلى إعادة النظر في فلسفة الدور الأميركي نفسه. فبعد تجارب العراق وأفغانستان وليبيا، وما رافقها من استنزاف مالي وعسكري وسياسي، باتت واشنطن أكثر ميلاً إلى التأثير في نتائج الصراعات بدلاً من تولي إدارتها ميدانياً، وإلى رعاية التسويات بدلاً من فرض الأنظمة السياسية بالقوة.
لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة تراجع النفوذ الأميركي، بل قد يمثل انتقالاً إلى نموذج أكثر مرونة وأقل كلفة: الاحتفاظ بالتفوق العسكري، والعلاقات الأمنية، والعقوبات، والضغوط الدبلوماسية، مع دفع الحلفاء إلى تحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن مصالحهم.
هنا تكمن المفارقة: تريد واشنطن أن تبقى صاحبة التأثير في القرار الإقليمي، من دون أن تبقى الجهة التي تدفع وحدها ثمن تنفيذه.
غير أن هذا النهج يصطدم بسؤال جوهري: هل تستطيع الولايات المتحدة تقليص حضورها المباشر من دون أن تتراجع قدرتها على ضبط التوازنات؟ فالقوى الإقليمية ليست بالضرورة مستعدة لملء الفراغ وفق التصور الأميركي، كما أن مصالحها متعارضة في ملفات تمتد من إيران إلى سوريا والعراق، وصولاً إلى أمن الخليج والصراع العربي ـ الإسرائيلي.
ثانياً: التحالفات الإقليمية… بديل عن المظلة الأميركية أم أداة لإعادة توزيع النفوذ؟
إن الإشارة إلى محادثات تضم السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال مشاركة مصر، تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز فكرة التعاون الأمني التقليدي. فالمطلوب، وفق هذا التصور، تشجيع دول المنطقة على بناء منظومة مصالح وقدرات مشتركة، تخفف اعتمادها على التدخل العسكري الأميركي المباشر.
لكن الحديث عن تحالف إقليمي لا يعني أن هذه الدول أصبحت متفقة على تعريف واحد للتهديدات أو على أولويات المواجهة. فالسعودية تنظر إلى استقرار الخليج وأمن الطاقة من زاوية، وتركيا تتحرك وفق حسابات نفوذها في سوريا والعراق وشرق المتوسط، فيما ترتبط حسابات باكستان باعتبارات أمنية وجغرافية مختلفة. أما مصر، فلها أولوياتها المتصلة بأمنها القومي والبحر الأحمر والحدود الإقليمية.
لذلك، فإن أي صيغة مشتركة ستواجه اختباراً صعباً عند الانتقال من التنسيق السياسي إلى القرارات العسكرية الملزمة.
والأهم أن واشنطن قد لا تكون بصدد التخلي عن قيادة النظام الإقليمي بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيمه عبر شركاء محليين، بحيث تبقى الولايات المتحدة مرجعية أساسية من دون أن تكون القوة التي تتدخل مباشرة في كل أزمة.
أما الحديث عن محور منافس للتفاهمات التي تجمع إسرائيل والإمارات وقوى أخرى، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره تحالفاً عسكرياً مكتملاً. إنه، في المرحلة الراهنة، احتمال لإعادة تشكل الاصطفافات، وليس دليلاً كافياً على قيام جبهة متماسكة ذات قيادة وأهداف موحدة.
ثالثاً: إسرائيل أمام معادلة أكثر تعقيداً
تحمل تصريحات باراك دلالات مهمة لإسرائيل، التي بنت جانباً أساسياً من حساباتها الاستراتيجية على ضمان استمرار الدعم الأميركي، بما يشمل التفوق العسكري والتنسيق الاستخباراتي والغطاء السياسي، فضلاً عن قدرة واشنطن على ممارسة الضغط على خصومها.
فإذا كانت الولايات المتحدة تريد تقليص انخراطها المباشر، فقد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم مدى قدرتها على خوض مواجهات طويلة من دون تدخل أميركي مباشر أو دعم سياسي غير مشروط لكل خياراتها.
لكن ذلك لا يعني أن واشنطن تتخلى عن إسرائيل، ولا أن الخلافات الإسرائيلية ـ الأميركية ستتحول تلقائياً إلى قطيعة استراتيجية. الأرجح أن يتزايد التمييز الأميركي بين دعم أمن إسرائيل من جهة، والاستعداد للانخراط في حروب إقليمية واسعة من جهة أخرى.
وتبرز هنا معضلة أساسية: هل تستطيع إسرائيل الاستفادة من تراجع الرغبة الأميركية في التدخل المباشر لتوسيع هامش تحركها العسكري، أم أن هذا التراجع سيضع عليها قيوداً إضافية، نتيجة خشية واشنطن من الانجرار إلى مواجهة لا تريدها؟
في الحالتين، لن يكون معيار العلاقة مجرد مستوى الدعم الأميركي، بل حدود استعداد الولايات المتحدة لتحويل هذا الدعم إلى مشاركة فعلية في الحرب.
رابعاً: إيران ومضيق هرمز… التفاوض تحت سقف القوة
تكتسب دعوة باراك إلى وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز أهمية خاصة، لأنها تكشف أن الحديث عن تقليص التدخل العسكري لا يستبعد استخدام الضغط العسكري لفرض شروط تفاوضية، لكنه يطرح تساؤلات بشأن حدود التصعيد والنتيجة النهائية التي تريد واشنطن بلوغها.
فالإدارة الأميركية، وفق هذا المنطق، قد تسعى إلى الجمع بين الضغط على طهران ومنع تحول المواجهة إلى حرب مفتوحة تستنزف الولايات المتحدة وتربك أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وهذا يضع إيران أمام معادلة مزدوجة: من جهة، تستطيع استخدام أوراقها الإقليمية والجغرافية لتحسين شروط التفاوض؛ ومن جهة أخرى، تواجه خطر أن يؤدي استمرار التصعيد إلى توحيد خصومها ودفع دول المنطقة إلى بناء ترتيبات أمنية أكثر تشدداً في مواجهتها.
مع ذلك، لا تكفي تصريحات باراك وحدها للاستنتاج بأن واشنطن حسمت خيار التسوية أو قررت تجنب الحرب. فالتفاوض قد يكون وسيلة لتثبيت مكاسب تحققت بالضغط، كما قد يكون مخرجاً من مواجهة تجاوزت أهدافها الأولية.
المعضلة الأميركية ليست في الاختيار بين الحرب والسلام فحسب، بل في كيفية انتزاع تنازلات من الخصوم من دون تحمل كلفة حرب طويلة أو خسارة القدرة على الردع.
خامساً: ماذا يعني هذا التحول بالنسبة إلى لبنان؟
بالنسبة إلى لبنان، تحمل هذه المقاربة دلالات مباشرة، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية المتصلة بسلاح حزب الله، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود الجنوبية.
إذا كانت واشنطن تتجه فعلاً إلى تقليص مسؤوليتها المباشرة عن إدارة الأزمات، فمن المرجح أن تزداد مطالبتها الدولة اللبنانية بتحمل مسؤولية أمنها وتنفيذ الالتزامات التي تقبل بها، مع ربط استمرار الدعم الخارجي بمدى قدرتها على ترجمة هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة.
وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة ستتخلى عن الملف اللبناني أو توقف تدخلها السياسي والأمني، بل قد تسعى إلى إدارة هذا الملف من خلال الضغط على المؤسسات الرسمية، وتنسيق المواقف مع الحلفاء الإقليميين، واستخدام المساعدات والغطاء الدبلوماسي كأدوات تأثير.
لكن لبنان يواجه مشكلة مختلفة عن الدول التي تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية تسمح لها ببناء منظومة دفاع مستقلة. فالدولة اللبنانية تعاني ضعفاً مالياً ومؤسساتياً، فيما لا يزال ملف السلاح مرتبطاً بصراع داخلي حول السيادة وتوازنات القوة وطبيعة العلاقة مع إسرائيل.
من هنا، فإن مطالبة بيروت بتحمل مسؤولية أمنها لا تعني أن لديها تلقائياً الأدوات اللازمة لتنفيذ هذه المهمة، ولا أن التوافق الداخلي المطلوب متوافر.
والسؤال الأخطر هو: هل تريد واشنطن تقوية الدولة اللبنانية تدريجياً، أم أنها تسعى إلى تحميلها مسؤوليات أمنية تتجاوز قدراتها الحالية، بما يضعها أمام مواجهة داخلية قبل أن تتمكن من بناء بديل قابل للحياة؟
إذا اتسعت الفجوة بين المطلوب أميركياً والممكن لبنانياً، فقد تجد السلطة نفسها أمام خيارين صعبين: إما المضي في خطوات ترفع مستوى الاحتكاك مع حزب الله، وإما تحمل كلفة سياسية وأمنية متزايدة نتيجة اتهامها بالتلكؤ في تنفيذ الالتزامات.
وفي المقابل، قد يرى حزب الله في التحول الأميركي محاولة لنقل عبء المواجهة من الخارج إلى الداخل اللبناني، بما يفرض عليه إعادة تقييم كيفية التعامل مع الدولة ومؤسساتها، وحدود التصعيد الذي قد يؤدي إلى توحيد الضغوط الخارجية عليه.
سادسا: شرق أوسط أقل اعتماداً على واشنطن… أم أكثر عرضة للانفجار؟
لا تشير تصريحات باراك بالضرورة إلى نهاية الدور الأميركي في الشرق الأوسط، بل إلى محاولة لإعادة صياغته على أساس مختلف: نفوذ سياسي وأمني مستمر، وتدخل عسكري مباشر أكثر انتقائية، ومسؤوليات أكبر تُلقى على عاتق القوى الإقليمية.
لكن نجاح هذه المقاربة يتوقف على قدرة واشنطن على إدارة التناقض بين هدفين: تقليص كلفة انخراطها، والحفاظ على توازنات تمنع خصومها من توسيع نفوذهم أو حلفاءها من التصرف بصورة تجرها إلى حروب لا تريدها.
أما في لبنان، فقد تتحول هذه المعادلة إلى ضغط متزايد على الدولة لتقديم نتائج أمنية وسياسية، من دون ضمان أن تتوافر لها الموارد والتوافقات الداخلية اللازمة.
والسؤال الاستراتيجي الذي تطرحه المرحلة ليس ما إذا كانت أميركا ستغادر الشرق الأوسط، بل ما الذي سيحدث عندما تتراجع استعداداتها لدفع ثمن الاستقرار، قبل أن تنجح دول المنطقة في بناء نظام أمني قادر على منع انهيار التوازنات.
ففي منطقة لا تزال فيها الصراعات مفتوحة، قد لا يؤدي تقليص التدخل الخارجي إلى خفض مستوى المواجهة؛ بل قد يمنح القوى الإقليمية هامشاً أوسع للتحرك، ويحوّل التنافس على ملء الفراغ إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار.


