المعارضة الإسرائيلية تؤجل معركة الزعامة… لأن الأرقام لم تحسمها
خاص بيروت بوست
يعكس اجتماع قادة أحزاب المعارضة الإسرائيلية في تل أبيب، والذي جمع يائير لبيد، نفتالي بينيت، غادي آيزنكوت، أفيغدور ليبرمان ويائير غولان، إدراكاً بأن المعركة داخل معسكر معارضي بنيامين نتنياهو قد تصبح، إذا انفجرت مبكراً، أكثر كلفة من الخلاف نفسه. لكن قراءة الخطوة في ضوء أحدث استطلاعات الرأي تظهر أن قرار تأجيل حسم هوية المرشح لرئاسة الحكومة ليس حلاً للخلاف، بقدر ما هو شراء للوقت.
أولاً: الأرقام لا تمنح أحداً تفويضاً داخل المعارضة
الصورة الانتخابية الإسرائيلية الحالية شديدة السيولة. فمتوسط الاستطلاعات المنشورة حتى 22 أيلول يضع أحزاب المعارضة الصهيونية عند نحو 55 مقعداً مقابل 53 لمعسكر نتنياهو، فيما تحوز الأحزاب العربية نحو 12 مقعداً. والأهم أن حزب «يشار» بزعامة آيزنكوت يدور حول 24 مقعداً في المتوسط، مقابل نحو 23 لليكود، مع تباين كبير بين استطلاع وآخر.
لكن هذا المتوسط يخفي مشكلة أساسية: لا المعارضة ولا معسكر نتنياهو قريبان بصورة مستقرة من عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة.
فاستطلاع القناة 12 المنشور في 22 أيلول أعطى كتلة آيزنكوت 54 مقعداً مقابل 50 لمعسكر نتنياهو، بينما أعطى استطلاع القناة 13 اللاحق 52 مقعداً للمعارضة و51 لمعسكر نتنياهو، مع 13 مقعداً للأحزاب العربية و4 مقاعد لحزب هندل–زلكح.
وفي المقابل، تظهر استطلاعات أخرى صورة مختلفة تماماً؛ إذ منح استطلاع i24News معسكر نتنياهو 55 مقعداً، فيما أظهر استطلاع آخر للقناة 14 إمكانية وصوله إلى 64 مقعداً.
الخلاصة الرقمية هنا: لا توجد حتى الآن كتلة تستطيع القول إنها حسمت الانتخابات، ولا زعيم يستطيع القول إن الأرقام تفرضه تلقائياً مرشحاً لرئاسة الحكومة.
ثانياً: آيزنكوت هو مركز العقدة
المشكلة الأساسية ليست فقط من يملك أكبر عدد من المقاعد، بل ما هي القاعدة التي ستحدد مرشح المعسكر بعد الانتخابات؟
آيزنكوت يدفع عملياً باتجاه منطق أن الحزب الأكبر داخل معسكر التغيير يجب أن يحصل على أولوية تشكيل الحكومة، فيما لا يريد بينيت وليبرمان ولبيد الالتزام مسبقاً بهذا السيناريو. وهذا مفهوم انتخابياً، لأن أي اتفاق مبكر قد يدفع جزءاً من الناخبين إلى اعتبار التصويت لحزب صغير غير ضروري، أو قد يحوّل المنافسة بين الشخصيات إلى معركة داخلية قبل أن تبدأ المعركة مع نتنياهو.
وهنا تحديداً يصبح قرار تأجيل الحسم منطقياً: كلما اقتربت الانتخابات، يصبح السؤال ليس “من الأقوى؟” فقط، بل “من يستطيع جمع الـ61؟”
ثالثاً: المعادلة لا تتوقف عند الأحزاب الصهيونية
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في أي حسابات بعد الانتخابات. فحتى في الاستطلاعات التي تعطي المعارضة تقدماً، لا تصل عادةً إلى 61 مقعداً بمفردها. وهذا يعني أن تركيب الحكومة المقبلة قد يعتمد على مواقف الأحزاب العربية، أو على أحزاب لا تنتمي مسبقاً إلى أي من المعسكرين، أو على انشقاقات وإعادة تموضع داخل الكنيست.
وهذا يفسر أيضاً لماذا قد يكون الاتفاق على تأجيل اختيار رئيس الحكومة أكثر سهولة من الاتفاق على مرشح واحد الآن: لأن هوية رئيس الحكومة ستكون مرتبطة في نهاية المطاف بحجم كل حزب وبقدرته على بناء ائتلاف قابل للحياة، وليس فقط بنتيجة الحزب الأكبر.
رابعاً: الخطر الحقيقي هو تحوّل التأجيل إلى صراع
التأجيل يمنح المعارضة فرصة لتركيز الرسالة الانتخابية على هدف واحد: تغيير الحكومة، بدلاً من استنزاف جمهورها في معركة آيزنكوت–بينيت–ليبرمان–لبيد.
لكن هذا الخيار يحمل مخاطرة مقابلة. فإذا استمرت المنافسة الشخصية في الظهور أمام الناخبين، فقد يصبح شعار «إسقاط نتنياهو» أقل وضوحاً من سؤال «من سيحكم بعده؟». وقد أظهرت استطلاعات سابقة أن جزءاً مهماً من ناخبي المعارضة ينظر إلى التنافس الثلاثي على القيادة باعتباره عاملاً مؤثراً في فرص المعسكر.
تقدير الموقف
المؤشر الأهم في الاجتماع ليس أن المعارضة حسمت مسألة القيادة، بل أنها قررت مؤقتاً عدم السماح للخلاف عليها بأن يطغى على المعركة الانتخابية.
وبالنظر إلى تذبذب الاستطلاعات خلال الأسابيع الأخيرة، فإن إبقاء الخيارات مفتوحة يسمح لكل من آيزنكوت وبينيت وليبرمان بزيادة حجمه الانتخابي قبل الدخول في مفاوضات تشكيل الحكومة. وفي الوقت نفسه، فإن الفارق الضئيل بين المعسكرين في معظم الاستطلاعات يجعل الحديث عن حكومة مقبلة بقيادة طرف محدد سابقاً لأوانه.
لذلك يمكن قراءة الاجتماع باعتباره اتفاقاً على إدارة الخلاف لا على إنهائه. فالمعارضة الإسرائيلية تحتاج أولاً إلى تحويل مجموع المقاعد المتناثرة إلى كتلة قادرة على بلوغ عتبة الـ61 أو بناء تحالفات حولها. عندها فقط ستصبح معركة رئاسة الحكومة قابلة للحسم بالأرقام، لا بالتفاهمات المسبقة.
واللافت أن أحدث استطلاع لـ«تايمز أوف إسرائيل» أظهر تعادل معسكر نتنياهو وكتلة المعارضة الصهيونية عند 53 مقعداً لكل منهما، مع بقاء كلاهما دون الأغلبية؛ كما أظهر أن 67% من مؤيدي أحزاب المعارضة الصهيونية الذين شملهم الاستطلاع يرون ضرورة الاتفاق على مرشح لرئاسة الحكومة.
وعليه، فإن معركة المعارضة الحقيقية في المرحلة المقبلة ليست فقط إسقاط نتنياهو، بل إثبات قدرتها على تحويل التفوق المتقلب في بعض الاستطلاعات إلى صيغة حكم تمتلك 61 صوتاً أو شبكة تحالفات تكفي لتشكيل حكومة. وهذا تحديداً هو الاختبار الذي سيقرر لاحقاً من يمتلك حق المطالبة برئاسة الحكومة.

