خاصإقليميدولينزاعات وصراعات

المخابرات بين الأمن والدستور ….ألمانيا تفتح صندوق باندورا

كتب عماد رزق
مستشار في الشؤون الامنية

في برلين، وعلى بعد أمتار من مقر المستشارية، تجري عملية جراحية نادرة لجسد الدولة الألمانية. ليس الجسد العسكري، بل الجسد الاستخباراتي. مشروع قانون من 732 صفحة أقرّه مجلس الوزراء في أغسطس 2026، لا يعدّل بنداً هنا أو هناك، بل يعيد تعريف وظيفة المخابرات في أكبر اقتصاد أوروبي. من جهاز يقرأ ويحلل ويحذر، إلى جهاز يخترق ويعطّل ويدخل المنازل ويشغّل الذكاء الاصطناعي. إنها Zeitenwende استخباراتية. لكن السؤال الذي يخيم على برلين ليس: هل نحن بحاجة إلى ذلك؟ بل: إلى أي مدى يمكن توسيع صلاحيات المخابرات قبل أن تتحول من حامية للدستور إلى تهديد له؟

لعقود، عاشت ألمانيا على “عقدة التاريخ”. بعد الحرب العالمية الثانية، بُني جهاز الاستخبارات الخارجي (BND) بقيود أشد صرامة من نظيراته في باريس ولندن وواشنطن. مبدأ الفصل بين الاستخبارات والشرطة لم يكن مكتوباً في الدستور، لكنه كان مقدساً في الوعي القانوني. اليوم، يبدو هذا المبدأ على المحك.

النص الجديد يمنح الأجهزة صلاحيات هجومية غير مسبوقة
اختراق أنظمة الخصوم، تعطيل السيرفرات، الدخول إلى المنازل لتعطيل أجهزة خطرة، استخدام تحليلات آلية وذكاء اصطناعي لتقييم البيانات الشخصية، والوصول إلى أنظمة طرف ثالث غير متورط. والأخطر: اعتراض الاتصالات الشخصية في حالات معينة دون إذن مسبق من هيئة الرقابة. كما يفرض نظام “طلب وإفصاح” على شركات السيارات والمنصات الرقمية ومؤسسات الدفع تقديم بيانات حساسة، من موقع المركبة وسرعتها إلى بيانات المشتركين والاستخدام.

المبرر؟ بيئة عدائية حقيقية. روسيا تشن “حرب ظل” من التخريب والتجسس وحرب المعلومات. طائرة مسيرة مفخخة قرب مطار لايبزيغ. تحذيرات رئيس BND من نزاع مسلح “حقيقي ووشيك”. الحكومة تقول إن التهديدات الجديدة تحتاج أدوات جديدة. لكن المنتقدين يردون: الثمن الدستوري باهظ.

في 2024، قضت المحكمة الدستورية الفيدرالية بأن المراقبة الاستراتيجية لـBND للاتصالات المحلية-الأجنبية انتهكت المادة 10 من القانون الأساسي. اليوم، يرى خبراء أن أحكام توسيع الصلاحيات الداخلية هي “الأكثر تعرضاً للطعن”. منظمات الحريات المدنية تحذر من “شرطة سرية” ومن “ثقب أسود” قانوني. الرقابة القضائية موجودة، لكنها — كما يقول النقاد — “قد لا تكون كافية”. السؤال الدستوري يبقى معلقاً: هل التهديدات الأمنية تبرر تدخلات واسعة في الحقوق الأساسية؟

المشهد لا يتوقف عند ألمانيا. في فرنسا، المجلس الدستوري أبطل آلية “المعالجة الخوارزمية” للعناوين الكاملة، ثم عاد المشرّع ليدخلها مجدداً، فبقيت هشة قانونياً. في بريطانيا، لا تُنفَّذ تفويضات الاستخبارات إلا بموافقة مفوض قضائي مسبق، بينما في ألمانيا تُنفَّذ بعض الصلاحيات دون إذن مسبق. في إسرائيل، يتصاعد صراع دستوري حول “الأداة” التي يستخدمها الشاباك لجمع البيانات الوصفية، وحول تعيين قادة الأجهزة. وفي تركيا، يخضع MİT لإشراف الرئيس مباشرة، بلا رقابة قضائية مستقلة فعّالة. وفي الولايات المتحدة، انتهت صلاحية المادة 702 من FISA وسط جمود سياسي. النتيجة واحدة: الرقابة القضائية هي الحلقة الأضعف.

وفي شرق المتوسط، تتحول المنطقة إلى مختبر استخباراتي. تحالف “3+1” بين إسرائيل واليونان وقبرص وأمريكا يطلق مركزاً بحرياً للأمن السيبراني في نيقوسيا. تركيا واليونان تتبادلان الزيارات الاستخباراتية. الناتو ينفذ “الحارس البحري”. وفي مصر والعراق وليبيا، تقول الدساتير إن عمل الأجهزة ينظم بقانون، لكن الممارسة تكشف أن القرارات تُنفَّذ دون قرار قضائي مسبق، ما يثير إشكالية “خرق الدستور”.

الخلاصة قاسية: في غياب رقابة قضائية مسبقة ومستقلة، يتحول توسيع صلاحيات المخابرات من ضرورة أمنية إلى تهديد ديمقراطي. التهديدات حقيقية، لكن الديمقراطية لا تُحمى بتفكيك قيودها. الدرس الألماني يقول: الرقابة اللاحقة لا تكفي. ودرس شرق المتوسط يقول: غياب الرقابة يحوّل المخابرات من حامية للدولة إلى حاكم للدولة.

يبقى السؤال: هل تستطيع الديمقراطيات أن تدير معادلة الأمن والحرية دون أن تخسر إحداهما؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى