خاصأمن وقضاءسياسةنزاعات وصراعات

شرق المتوسط على مفترق طرق ..وبريطانيا شريك استراتيجي للبنان

كتب عماد رزق – مستشار في الشؤون الامنية

في حزيران من العام 2024، أطلق السيد حسن نصرالله تهديداً غير مسبوق لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي: قبرص. “فتح المطارات والقواعد القبرصية للعدو الإسرائيلي لاستهداف لبنان يعني أن الحكومة القبرصية أصبحت جزءاً من الحرب”، قالها بلهجة تحذيرية، وفق ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”. لم يكن تهديداً عابراً؛ كان إعلاناً بأن الجزيرة الهادئة في شرق المتوسط قد تتحول إلى ساحة مواجهة.

بعد أقل من عامين، تحوّل التهديد إلى واقع ملموس. في فجر الثاني من آذار 2026، وبعد ساعات فقط من إعلان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لضرب “مصادر الصواريخ الإيرانية”، اخترقت طائرة مسيرة من طراز “شاهد 136” الأجواء القبرصية واستهدفت قاعدة “أكروتيري” البريطانية. دوّت صفارات الإنذار، وأُخليت القاعدة، واندلعت موجة من التساؤلات في نيقوسيا ولندن على حد سواء.
مصدر حكومي قبرصي أكد لوكالة “فرانس برس” أن الطائرات المسيرة “انطلقت من لبنان، وعلى الأرجح من حزب الله”. هكذا، وجدت بريطانيا نفسها في مواجهة مباشرة مع التهديد الذي أطلقه نصرالله قبل أشهر من استهدافه. لم يكن الأمر مجرد هجوم على أرض بريطانية ذات سيادة في قبرص، بل كان رسالة استراتيجية: “انتبهوا لما تفعلونه”، كما وصفها بيار روزوكس، المدير الأكاديمي في مؤسسة البحر الأبيض المتوسط للدراسات الاستراتيجية.

من المواجهة إلى الشراكة
لكن الرد البريطاني لم يقتصر على التعزيزات العسكرية. فقد، أرسلت لندن المدمرة “HMS Dragon” ومروحيات “Wildcat” المضادة للطائرات المسيرة. لكن الاستجابة الأعمق كانت استراتيجية: تحويل الأزمة إلى فرصة لترسيخ حضورها في شرق المتوسط عبر بناء شراكات مع الجيوش المحلية.

ففي السادس من تشرين الأول 2026، وبعد أشهر فقط من استهداف قاعدة “أكروتيري”، وصل جنود بريطانيون من سرية الإسناد في الكتيبة الرابعة من الفوج الملكي الإسكتلندي (4 SCOTS)، المتمركزة في قاعدة “ديكيليا” القبرصية، إلى لبنان. هدفهم: المشاركة في تمرين “PEGASUS CEDAR 2026” إلى جانب فوج المجوقل في الجيش اللبناني.
تمرين يستمر ثلاثة أسابيع، ويُبنى على نجاح أكبر مناورة بريطانية-لبنانية من نوعها في أيلول 2023.

المشاركون ليسوا بريطانيين ولبنانيين فحسب. عناصر من جيوش الولايات المتحدة وإيطاليا تشارك فعلياً، بينما يحضر مراقبون من فرنسا وقبرص وقطر والأردن. التدريبات تشمل أنظمة الهاون، تكتيكات الوحدات الصغيرة، الاستطلاع، وتدريبات المروحيات.
الهدف المعلن: “تعزيز قدرات الوحدات العسكرية ورفع مستوى التنسيق بين الجيش اللبناني والجيوش الصديقة”.

الرسالة الأكبر من التمرين
في خطابه أمام التمرين، قال الملحق الدفاعي البريطاني في لبنان، المقدم تشارلز سميث: “هذا التمرين ليس مجرد تكتيكات، بل بناء ثقة واختبار لها. المملكة المتحدة ولبنان يشتركان في رؤية لمستقبل آمن ومستقر”. لكن الرسالة الأعمق جاءت من السفير البريطاني هاميش كاول، الذي أكد أن فرق التدريب البريطانية “تواصل العمل مع جميع فروع الجيش اللبناني — البرية والبحرية والجوية — لدعمهم في بناء قدرات الجيش اللبناني باعتباره المدافع الشرعي الوحيد عن لبنان”.

هذه العبارة الأخيرة — “المدافع الشرعي الوحيد” — هي المفتاح لفهم المنظومة الأمنية التي ترسمها بريطانيا في شرق المتوسط. إنها ليست مجرد دعم عسكري؛ إنها مشروع سياسي لإعادة تعريف من يحمل السلاح في لبنان، عبر تمكين مؤسسة الدولة وحدها. وبريطانيا ليست وحدها في هذا المشروع: منذ 2009، دربت بريطانيا عشرات الآلاف من العناصر اللبنانيين واستثمرت أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني في بناء قدرات الجيش اللبناني.

قبرص، التي تعرضت للهجوم، ليست مجرد موقع للتمرين. إنها العمود الفقري اللوجستي للمنظومة. قاعدتا “أكروتيري” و”ديكيليا” تمثلان أرضاً بريطانية ذات سيادة منذ 1960، وتستخدمهما لندن لعمليات في الشرق الأوسط. من هذه القواعد ينطلق الجنود إلى لبنان، وإليها يعودون.

وهكذا، يقف شرق المتوسط على مفترق طرق: من جهة، تهديدات نصرالله التي تحولت إلى هجمات فعلية على قواعد بريطانية.
من جهة أخرى، مناورات مشتركة تبني شراكات جديدة. وبين الاثنين، ترسم بريطانيا ملامح دورها الجديد: شريك استراتيجي لا غنى عنه، يحمي قواعده، يدرب حلفاءه، ويسعى لترتيب أمني إقليمي يقوده الغرب، لكنه هذه المرة، “يستثمر في الجيوش المحلية بدلاً من إرسال قواته”.

السؤال الآن: هل ينجح هذا النموذج في ترسيخ الاستقرار؟ أم أن التهديدات التي أطلقها نصرالله ستظل تلاحق القواعد البريطانية، بغض النظر عن عدد التمارين المشتركة؟ الأيام والأسابيع الثلاثة القادمة من “PEGASUS CEDAR 2026” كفيلة ببدء الإجابة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى