
خاص – بيروت بوست
شكلت تصريحات الحاج وفيق صفا تدخلاً مباشراً من حزب الله لنسف الإطار السياسي للمفاوضات الجارية في واشنطن، لكنها في العمق ليست رفضاً مطلقاً للتسويات، بل محاولة لإعادة تعريف شروطها وسقفها قبل أن تتبلور.
أولاً: الرسالة الأساسية: نزع الشرعية عن المسار التفاوضي
العبارة المفتاحية في النص: “لسنا ملزمين بما يتفقون عليه”
هذه ليست مجرد موقف سياسي، بل تحمل ثلاث دلالات استراتيجية:
– نفي صفة التمثيل الحصري للدولة اللبنانية في قضايا الأمن والسيادة
– تأكيد استقلالية قرار الحزب العسكري والسياسي
– إبلاغ واشنطن وتل أبيب أن أي اتفاق لا يمر عبر الحزب هو اتفاق غير قابل للتنفيذ
عملياً، يقول الحزب:”يمكنكم التفاوض… لكن لا يمكنكم فرض النتائج علينا”.
ثانياً: التوقيت: استباق نتائج واشنطن
جاء التصريح عشية اللقاء في واشنطن، ما يعني أنه:
– رسالة استباقية لتحديد سقف التفاوض
– محاولة منع تكوّن دينامية سياسية قد تضع الحزب تحت ضغط القبول
– إعادة وضع نفسه كـ طرف حاسم لا يمكن تجاوزه
هذا يعكس قلقاً حقيقياً من:
– تحول المفاوضات إلى مسار ملزم دولياً
– استخدامها للضغط الداخلي على ملف السلاح.
ثالثاً: العلاقة مع الدولة اللبنانية: قطيعة أم إدارة غير مباشرة؟
النقطة الأخطر في التصريح:
– عدم التواصل المباشر مع رئيس الجمهورية أو الحكومة
– حصر القناة عبر رئيس مجلس النواب
هذا يكشف:
– اهتزاز العلاقة المؤسسية بين الحزب والدولة
– تثبيت الرئيس نبيه بري كقناة إلزامية (وليس خياراً)
تكريس نموذج: الدولة تتفاوض… والحزب يقرر التنفيذ
هذا يعمّق الازدواجية:
– شرعية رسمية (الدولة)
– شرعية فعلية (الحزب)
رابعاً: البعد الإيراني: مفاتيح التهدئة خارج لبنان
إشارة صفا إلى أن إيران “حصلت على وقف للهجمات” في بيروت تحمل دلالة شديدة الأهمية:
– القرار الأمني مرتبط بالمستوى الإقليمي
– طهران لا تزال الضامن الفعلي للإيقاع الميداني
– أي تصعيد أو تهدئة مرتبط بمسار أوسع من لبنان
هذا يعني أن: مفاوضات واشنطن ليست سوى جزء من لعبة أكبر تُدار بين واشنطن وطهران.
خامساً: المفارقة الأساسية: رفض خارجي ومرونة داخلية
رغم النبرة التصعيدية، يكشف صفا عن نقطة مفصلية: الحزب مستعد للتفاوض مع الدولة اللبنانية حول سلاحه… لكن بعد وقف النار وانسحاب إسرائيل
هذه العبارة تفتح باباً مهماً:
– رفض التفاوض مع إسرائيل وأميركا
– قبول ضمني بحوار داخلي حول السلاح
هنا يظهر التوازن الدقيق:
– حماية الخطاب العقائدي
– ترك هامش لتسوية داخلية لاحقة.
سادساً: الرسائل الميدانية والنفسية
تفاصيل المقابلة (قرب مقبرة، مسيّرة في الجو، الحديث عن إصابته) ليست عفوية، بل تحمل رسائل:
– استمرار التهديد الإسرائيلي
– إظهار الصمود الشخصي والتنظيمي
– تعزيز صورة الحزب كفاعل تحت النار لا على طاولة التفاوض.
سابعاً: السيناريوهات المحتملة
1. تثبيت معادلة “الفيتو المزدوج”
– الدولة تفاوض
– الحزب يحتفظ بحق التعطيل
النتيجة: اتفاقات محدودة التأثير
2. تفاهم غير مباشر
– واشنطن تدرك استحالة تجاوز الحزب
– يتم إدخاله ضمنياً في الترتيبات
عبر قنوات خلفية (الرئيس بري أو أطراف ثالثة)
3. تصعيد إذا تم تجاوز الحزب
– فرض اتفاق دون موافقته
– رد ميداني لإسقاطه
هذا أخطر السيناريوهات
ثامناً: التقدير النهائي
لا تعني تصريحات صفا أن حزب الله ضد أي تسوية، بل تعني: أنه يرفض أن تكون التسوية على حسابه أو من دون مشاركته الفعلية، ويمكن تلخيص الموقف كالتالي:
– رفض الإلزام الخارجي
– قبول التفاوض الداخلي المشروط
– ربط كل شيء بالتوازن الإقليمي
تاسعا: الخلاصة
ما يجري هو صراع على من يملك القرار: هل الدولة اللبنانية هي التي تفاوض وتقرر؟ أم أن أي اتفاق يحتاج إلى توقيع غير معلن من “حزب الله”؟
وفي الواقع الحالي، الجواب واضح: لا اتفاق قابلاً للحياة في لبنان… من دون الحزب، ولا تسوية ممكنة للحزب… من دون الدولة.





