خاص – بيروت بوست
لا تبدو الاجتماعات المرتقبة في وزارة الحرب الأميركية مجرد جولة تفاوض تقنية بين وفدين عسكريين من لبنان وإسرائيل، بل تشكل، وفق المؤشرات المتراكمة، بداية انتقال الصراع من مرحلة “إدارة الاشتباك” إلى مرحلة “إعادة هندسة البيئة الأمنية” جنوب لبنان. فاختيار البنتاغون تحديداً لاستضافة هذا المسار يكشف أن واشنطن تنظر إلى الملف باعتباره قضية أمن إقليمي ترتبط مباشرة بإعادة ترتيب توازنات شرق المتوسط، وليس مجرد نزاع حدودي بين دولتين.
في البعد الجيوسياسي، تسعى الولايات المتحدة إلى استثمار التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة لإنتاج واقع أمني جديد على الحدود الشمالية لإسرائيل. فواشنطن تعتبر أن نموذج ما بعد 2006 انتهى فعلياً، وأن بقاء حزب الله كقوة عسكرية مستقلة جنوب الليطاني بات يشكل تهديداً دائماً للاستقرار الإقليمي ولمشاريع الطاقة والممرات البحرية في شرق المتوسط. من هنا، فإن الاجتماعات المقبلة تهدف عملياً إلى وضع أسس “نظام أمني جديد” تكون الأولوية فيه للرقابة والسيطرة والتفكيك التدريجي للبنية العسكرية للحزب.
اللافت أن الإدارة الأميركية تتعامل مع الملف بمنطق “المسارين المتوازيين”: مسار سياسي تفاوضي طويل الأمد، ومسار أمني تنفيذي سريع، ما يعني أن واشنطن لم تعد تنتظر اتفاقاً سياسياً شاملاً قبل البدء بتغيير الوقائع الميدانية، بل على العكس، يبدو أن الهدف هو فرض وقائع أمنية جديدة تتحول لاحقاً إلى أمر واقع سياسي.
إسرائيلياً، تنطلق تل أبيب من قناعة استراتيجية مفادها أن الحرب المفتوحة لم تعد قادرة وحدها على إنهاء تهديد حزب الله، خصوصاً بعد التجارب القتالية الأخيرة وما كشفته من قدرة الحزب على امتصاص الضربات والاستمرار بالعمل الميداني. لذلك، انتقلت العقيدة الإسرائيلية من فكرة “الحسم العسكري السريع” إلى مفهوم “التفكيك البطيء والمستدام”، والذي عبرت عنه بالحديث عن تقسيم الجنوب إلى قطاعات أمنية تخضع تدريجياً لعمليات مراقبة وتطهير ونزع قدرات.
أما على المستوى اللبناني، فإن أخطر ما في الاجتماعات ليس فقط مضمون الترتيبات الأمنية، بل محاولة إعادة تعريف دور الجيش اللبناني نفسه. فالمطلوب أميركياً، وفق التسريبات، ليس مجرد تعزيز انتشار الجيش جنوباً، بل تحويله إلى شريك مباشر في هندسة التوازن الأمني الجديد، وهو ما قد يضع المؤسسة العسكرية أمام تحدٍّ تاريخي: كيف يمكنها الحفاظ على وحدتها الداخلية وعقيدتها الوطنية، إذا أصبحت جزءاً من مسار يُنظر إليه داخلياً كاستهداف مباشر للمقاومة؟
في المقابل، يدرك حزب الله أن ما يجري يتجاوز مسألة الحدود أو السلاح جنوب الليطاني، ليطال موقعه داخل المعادلة الإقليمية بأكملها، حيث من المستبعد أن يتعامل مع الاجتماعات باعتبارها مجرد مفاوضات تقنية، بل سيرى فيها محاولة أميركية – إسرائيلية لإنتاج لبنان جديد أمنياً وسياسياً. واقع قد يدفع بالحزب للجوء إلى استراتيجية مزدوجة: رفع سقف الخطاب السياسي داخلياً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مستوى محسوب من التهدئة الميدانية لتجنب إعطاء إسرائيل ذريعة لحرب واسعة.
لكن المعضلة الأساسية تكمن في أن أي محاولة لفرض ترتيبات أمنية غير متوافق عليها داخلياً قد تؤدي إلى انفجار سياسي وأمني داخل لبنان نفسه. فالمشكلة ليست فقط في رفض حزب الله، بل في الانقسام اللبناني العميق حول طبيعة العلاقة مع إسرائيل وحدود الدور الأميركي. وبالتالي، فإن تحويل الجنوب إلى ساحة إعادة هندسة أمنية قد يفتح الباب أمام توترات تتجاوز البعد العسكري لتصل إلى أزمة نظام وثقة داخل الدولة اللبنانية.
استراتيجياً، يمكن القول إن اجتماعات 29 أيار قد تشكل نقطة تحول مفصلية في تاريخ الصراع على الجبهة الشمالية لإسرائيل. فإذا نجحت واشنطن في تثبيت المسار الأمني، فإن المنطقة ستكون أمام مرحلة جديدة عنوانها “الاحتواء التدريجي” لحزب الله عبر أدوات أمنية واستخبارية وسياسية متداخلة. أما إذا فشل هذا المسار، فإن البديل قد يكون العودة إلى سياسة الضغط العسكري المفتوح، مع ما يحمله ذلك من مخاطر انفجار إقليمي واسع.
في الحالتين، يبدو واضحاً أن الجنوب اللبناني يدخل مرحلة إعادة رسم شاملة، ليس فقط لخرائط الانتشار العسكري، بل أيضاً لخرائط النفوذ والتوازنات والسيادة في لبنان والمنطقة.




