خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في بيان كتلة الوفاء للمقاومة

خاص – بيروت بوست

يعكس بيان كتلة “الوفاء للمقاومة”  تصعيداً سياسياً محسوباً يهدف إلى قطع الطريق مسبقاً على أي استجابة رسمية للطلب الأميركي بعقد لقاء بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الاسرائيلية. موقف لا يمكن قراءته كاعتراض ظرفي، بل كجزء من استراتيجية متكاملة يعتمدها حزب الله لفرض سقف سياسي داخلي موازٍ للضغط الخارجي.

أولاً، في البعد الاستراتيجي:

يربط الحزب بشكل واضح بين الميدان والسياسة. تأكيده على “استعادة القدرات” و”توسيع التكتيكات” ليس مجرد رسالة عسكرية لإسرائيل، بل رسالة سياسية للداخل والخارج مفادها: أي مسار تفاوضي لا ينطلق من ميزان قوى ميداني لصالح المقاومة هو مسار مرفوض. بمعنى آخر، الحزب يسعى إلى تثبيت معادلة: التفاوض، إن حصل، يجب أن يكون نتيجة ردع، لا بديلاً عنه.
ثانياً، البيان يشكّل ردّاً مباشراً على الطرح الأميركي:

يقلب الحزب معادلة “الفرصة السياسية” مقابل التهدئة، عبر:
– نزع الشرعية عن أي تفاوض مباشر واعتباره مساساً بالسيادة
– اتهام السلطة بالتفريط “بعناصر القوة”
– تحميل المسار التفاوضي مسؤولية إضعاف موقع لبنان التفاوضي
وهنا تكمن النقطة المفصلية: الحزب لا يرفض فقط اللقاء، بل يجرّم نتائجه مسبقاً بإعلانه أنه “غير معني بها”، ما يعني عملياً سحب الغطاء الداخلي عن أي اتفاق محتمل.

ثالثاً، في ما يتعلق بعلاقة رئيس الجمهورية بالثنائي الشيعي:

يرفع البيان منسوب الضغط إلى حدّ رسم خطوط حمراء واضحة:
– ممنوع الانتقال إلى التفاوض المباشر
– ممنوع تقديم تنازلات خارج إطار “المقاومة”
– أي انخراط في المسار الأميركي سيُواجه سياسياً وربما ميدانياً.

هذا يضع الرئيس أمام معضلة حقيقية: الاستجابة للطلب الأميركي قد تمنحه دعماً دولياً وفرصة إنجاز، لكنها في المقابل قد تفجّر أزمة داخلية مع قوة تمتلك فائض تأثير سياسي وعسكري.

رابعاً، مصطلحات لافتة:

بدت لافتة في البيان مجموعة من المصطلحات، من أبرزها: “الغموض الهدّام” و”التخلي عن عناصر القوة”، وهي ليست مجرد توصيفات، بل أدوات ضغط تهدف إلى:
– إحراج الرئاسة ودفعها إلى إعلان موقف واضح رافض
– تعبئة البيئة الداخلية ضد أي انفتاح تفاوضي
– منع نشوء “منطقة رمادية” يمكن أن يتحرك فيها رئيس الجمهورية.
خامساً، في قراءة التوقيت:

يأتي التصعيد في لحظة تزايد الحديث عن ترتيبات ما بعد التهدئة جنوباً. لذلك يسعى الحزب إلى تثبيت قواعد اشتباك سياسية موازية للقواعد الميدانية، بحيث يصبح أي مسار تفاوضي مباشر بمثابة كسر لهذه القواعد.

سادسا، تقدير الموقف:

يتجهلبنان نحو صدام سياسي ناعم بين مسارين:
– مسار دولي يدفع نحو تفاوض مباشر كمدخل لتسوية شاملة
– مسار داخلي يقوده حزب الله يرفض هذا الخيار ويتمسك بمنطق الردع.

السيناريو الأكثر ترجيحاً: لن يذهب رئيس الجمهورية إلى لقاء مباشر مع بنيامين نتنياهو في المدى المنظور، بل سيحاول:
– امتصاص الضغط الأميركي
– الحفاظ على قنوات غير مباشرة (عبر وسطاء)
– تجنّب كسر التوازن الداخلي

سابعا، الخلاصة:

بيان “الوفاء للمقاومة” ليس مجرد موقف سياسي، بل هو إعلان فيتو داخلي صريح على الطلب الأميركي. فأي محاولة لتجاوزه لن تُفسَّر كخيار سيادي، بل كصدام مع توازن القوة في لبنان، ما يجعل كلفة التفاوض المباشر أعلى بكثير من مكاسبه المحتملة في المرحلة الراهنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى