خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي |محادثات مع حزب الله؟ …. ترامب يهز لبنان

خاص – بيروت بوست

يحمل تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن “تسوية النزاع في لبنان ليست بالأمر الصعب” وأنه “يتعين إجراء محادثات مع حزب الله” دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز الساحة اللبنانية نفسها، خصوصاً إذا وُضع في سياق ثلاثة متغيرات كبرى تشهدها المنطقة:

  1. التفاهم الأميركي – الإيراني المتبلور.
  2. التوتر المتزايد بين الرئيس الاميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، اقله شكلا.
  3. سعي واشنطن إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي بعد سنوات من الحروب المفتوحة.

أولاً: تحول في المقاربة الأميركية

على مدى عقود، كان الموقف الأميركي الرسمي يقوم على رفض أي تواصل سياسي مباشر مع حزب الله، باعتباره منظمة مصنفة إرهابية في الولايات المتحدة. لذلك فإن مجرد الحديث عن “محادثات” يشير إلى تحول في المنهج أكثر مما يشير إلى اعتراف سياسي بالحزب.

فالإدارة الأميركية تبدو اليوم أقل اهتماماً بشعار “نزع سلاح الحزب بالقوة”، وأكثر اهتماماً بإنتاج استقرار أمني يمنع انفجاراً جديداً على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية.

هذا التحول ينسجم مع منطق الاتفاق الأميركي – الإيراني الذي يقوم، وفق التسريبات المتداولة، على تجميد ساحات المواجهة الإقليمية مقابل تفاهمات أوسع حول الأمن الإقليمي والملف النووي.

ثانياً: لبنان في سلة التفاهم الأميركي – الإيراني

منذ سنوات كان لبنان يُعامل كجزء من الصراع بين واشنطن وطهران. أما اليوم فثمة مؤشرات إلى أنه قد يتحول إلى جزء من التسوية بينهما.

في هذا السياق، يصبح حزب الله بالنسبة للأميركيين ملفاً يجب إدارته لا ملفاً يجب تفجيره.

عليه، يمكن فهم كلام ترامب على أنه اعتراف ضمني بحقيقة استراتيجية أساسية: لا يمكن إنتاج استقرار دائم في لبنان أو على الحدود الجنوبية من دون إشراك القوة الأكثر تأثيراً ميدانياً وسياسياً في المعادلة اللبنانية.

هذا لا يعني قبولاً أميركياً بالحزب أو بسلاحه، بل اعترافاً بضرورة إيجاد آلية تفاهم معه بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ثالثاً: رسالة ضغط إلى نتانياهو

لا يمكن فصل التصريح عن التوتر المتصاعد بين ترامب ونتانياهو.

فالرئيس الأميركي يدرك أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تنظر إلى أي تفاهم مع إيران أو أي تهدئة مع حزب الله باعتباره تراجعاً عن أهداف الحرب.

لذلك فإن الحديث عن “محادثات مع حزب الله” يحمل رسالة سياسية إلى تل أبيب مفادها أن واشنطن هي التي ترسم سقف التسويات الإقليمية وليس الحكومة الإسرائيلية.

بمعنى آخر، يبدو ترامب وكأنه يقول لنتانياهو إن الأولوية الأميركية أصبحت وقف النزاعات وإعادة ترتيب المنطقة، لا الاستمرار في الحروب المفتوحة التي تستنزف الجميع.

رابعاً: ماذا قد تطلب واشنطن من حزب الله؟

إذا دخلت الاتصالات مرحلة عملية، فمن المرجح أن تركز على أربعة ملفات:

  • تثبيت وقف إطلاق النار على الحدود الجنوبية.
  • ضبط أي نشاط عسكري يمكن أن يهدد إسرائيل.
  • إعادة ترتيب الوضع الأمني جنوب نهر الليطاني.
  • إدماج لبنان في منظومة استقرار إقليمي أوسع مرتبطة بالتفاهم الأميركي – الإيراني.

في المقابل، قد يحصل لبنان على مكاسب تتعلق بإعادة الإعمار، وتخفيف الضغوط الاقتصادية، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

خامساً: الرابح والخاسر

الرابح الأول من هذا المسار هو إيران، لأنها تنتقل من موقع المواجهة إلى موقع الشريك في صناعة الاستقرار الإقليمي.

أما الرابح الثاني هو حزب الله إذا نجح في الحفاظ على دوره السياسي والأمني ضمن تسوية إقليمية جديدة.

فيما الرابح الثالث فهو ترامب نفسه، الذي يسعى إلى تقديم نفسه كصانع صفقات قادر على إطفاء الحرائق الإقليمية بأقل كلفة أميركية ممكنة.

في المقابل، تبدو إسرائيل، وخصوصاً حكومة نتانياهو، الطرف الأكثر قلقاً من هذا الاتجاه، لأنها تخشى أن يؤدي أي تفاهم أميركي – إيراني إلى تكريس معادلات أمنية لا تحقق أهدافها المعلنة تجاه حزب الله.

سادسا: الخلاصة

إذا صحّ هذا التوجه، فإن لبنان قد يكون أمام تحول تاريخي: الانتقال من كونه ساحة صراع أميركي – إيراني إلى كونه إحدى ساحات التسوية بينهما. وعندها يصبح الحديث عن “محادثات مع حزب الله” مؤشراً على ولادة مقاربة أميركية جديدة تقوم على الاحتواء والتفاهم بدلاً من المواجهة المباشرة.

لكن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطاً بعاملين حاسمين: مدى قدرة واشنطن وطهران على تثبيت تفاهماتهما، ومدى استعداد إسرائيل للقبول بتسوية لا تمنحها نصراً كاملاً، بل تفرض عليها التعايش مع توازنات إقليمية جديدة آخذة في التشكل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى