واشنطن تغيّر قواعد اللعبة …. لماذا استهداف السواحل الإيرانية الآن؟
خاص – بيروت بوست
لم تعد الضربات العسكرية الأميركية النوعية التي تستهدف مواقع مرتبطة بالسواحل الإيرانية مجرد رسائل ردع تقليدية ضمن لعبة الضغط المتبادل بين واشنطن وطهران، بل تحمل في توقيتها وطبيعة أهدافها مؤشرات على انتقال المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، عنوانه الأساسي: إعادة رسم قواعد الاشتباك في الخليج والشرق الأوسط.
فاختيار الأهداف البحرية والساحلية ليس تفصيلاً عسكرياً عابراً، إذ تمثل السواحل الإيرانية نقطة ارتكاز استراتيجية في منظومة القوة الإيرانية، كونها تضم منشآت صاروخية وبنى بحرية وقدرات مرتبطة بحماية الملاحة والطاقة في منطقة تعد من أكثر الممرات الحيوية حساسية في العالم. وبالتالي، فإن استهداف هذه المواقع يحمل رسالة تتجاوز الضرر الميداني المباشر إلى محاولة التأثير في حسابات القيادة الإيرانية.
من منظور عسكري، تعتمد الاستراتيجية الأميركية تاريخياً على مبدأ إضعاف قدرات الخصم قبل أن تتحول إلى تهديد واسع النطاق. لذلك فإن الضربات النوعية لا تستهدف فقط تدمير منشآت محددة، بل تهدف إلى اختبار ردود الفعل الإيرانية، وقياس قدرة طهران على التصعيد، وتحديد حدودها في حال توسعت المواجهة.
وتشير طبيعة هذه العمليات إلى أن واشنطن قد تكون بصدد الانتقال من مرحلة الاحتواء السياسي إلى مرحلة الضغط العسكري المحسوب، عبر توجيه ضربات دقيقة لا تصل بالضرورة إلى مستوى الحرب الشاملة، لكنها تبقي الباب مفتوحاً أمام خيارات أكثر قسوة في حال تجاوزت إيران الخطوط الحمراء الأميركية.
أحد الأهداف الرئيسية لهذه الضربات هو تقليص هامش المناورة الإيراني في المجال البحري. فإيران بنت خلال العقود الماضية استراتيجية تقوم على استخدام الجغرافيا البحرية، خصوصاً في الخليج ومضيق هرمز، كأداة ضغط استراتيجية. وتعتمد هذه الاستراتيجية على الصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والطائرات المسيّرة، والألغام البحرية، وهي قدرات صممت لتعقيد أي تحرك عسكري أو اقتصادي ضدها.
لذلك، فإن ضرب البنية الساحلية الإيرانية يوجه رسالة مفادها أن واشنطن لا تنظر فقط إلى القدرات الهجومية الإيرانية الحالية، بل تعمل على منع طهران من استخدام المجال البحري كورقة ضغط في أي مواجهة مستقبلية.
لكن البعد الأهم يرتبط بالرسائل السياسية. فالولايات المتحدة قد تكون تسعى إلى فرض معادلة جديدة تقوم على أن أي تهديد للمصالح الأميركية أو لحلفائها في المنطقة سيقابل برد مباشر ومكلف، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك الملفات من الخليج إلى البحر الأحمر وبلاد الشام.
في المقابل، تدرك واشنطن أن توجيه ضربات واسعة داخل إيران يحمل مخاطر كبيرة، لذلك يبدو أن الخيار الحالي يعتمد على استراتيجية “الضغط تحت سقف الحرب”، أي تنفيذ عمليات محدودة ومدروسة تحقق أهدافاً عسكرية ونفسية من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها مرتفعة لجميع الأطراف.
أما إيران، فمن المتوقع أن تدرس ردها بدقة، إذ إن أي تصعيد مباشر قد يمنح الولايات المتحدة مبرراً لتوسيع العمليات، بينما قد تختار طهران الرد عبر أدوات غير مباشرة، سواء من خلال ساحات إقليمية أو عبر رفع مستوى الضغط السياسي والأمني.
هكذا، فإن الضربات الأميركية النوعية على السواحل الإيرانية قد تكون تمهيداً لثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول، تعزيز الردع وفرض قواعد اشتباك جديدة تؤدي إلى تهدئة مؤقتة؛ الثاني، فتح باب مفاوضات جديدة من موقع قوة أميركية؛ والثالث، الانزلاق التدريجي نحو مواجهة أوسع إذا فشلت الرسائل المتبادلة في ضبط التصعيد.
عليه، فان ما يجري لا يبدو مجرد عملية عسكرية محدودة، بل حلقة ضمن صراع استراتيجي طويل بين قوتين تدركان أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة، لكنهما في الوقت نفسه تخوضان معركة كسر إرادات حول النفوذ والردع ومستقبل التوازنات في الشرق الأوسط.
فالضربة على الساحل الإيراني ليست فقط انفجاراً في موقع عسكري، بل رسالة جيوسياسية مفادها أن مرحلة جديدة من اختبار القوة بدأت، وأن قواعد اللعبة في المنطقة قد تكون أمام إعادة صياغة.



