خاص – بيروت بوست
إذا صحّ النص المتداول للملحق الأمني، فإن ما يجري يتجاوز بكثير كونه ترتيبات أمنية لتنفيذ وقف إطلاق النار، ليمثل تحولاً استراتيجياً في طبيعة الصراع اللبناني – الإسرائيلي. فالنص لا يركز على الحدود الجنوبية فقط، بل يطرح مشروعاً لإعادة بناء المنظومة الأمنية اللبنانية وفق رؤية أميركية – إسرائيلية، يكون فيها السلاح الشرعي الوحيد هو سلاح الدولة، وترتبط إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي ومستقبل الجنوب بمدى نجاح عملية نزع سلاح حزب الله.
أولاً: من “احتواء حزب الله” إلى “تفكيك بنيته”
على امتداد السنوات الماضية، كان الهدف الإسرائيلي يقوم على احتواء قدرات حزب الله ومنع تعاظمها. أما في هذا الملحق، فإن الهدف أصبح أكثر طموحاً، ويتمثل في:
– إزالة البنية العسكرية للحزب.
– تدمير الأنفاق ومخازن السلاح.
– إنهاء مراكز القيادة والسيطرة.
– منع إعادة بناء القوة العسكرية مستقبلاً.
أي أن الوثيقة تتحدث عن تفكيك دائم للبنية العسكرية وليس مجرد وقف للعمليات القتالية.
ثانياً: نموذج “المناطق التجريبية”
أخطر ما ورد في النص هو اعتماد “المناطق التجريبية”. وهذا النموذج يشبه إلى حد كبير ما اعتمدته الولايات المتحدة في العراق خلال مكافحة تنظيم داعش، وكذلك بعض المناطق التي خضعت لبرامج أمنية في البلقان.
ويقوم على أربع مراحل متتابعة:
التطهير العسكري.
التحقق الدولي.
تسليم السيطرة للجيش اللبناني.
إطلاق إعادة الإعمار.
وهذا يعني أن إعادة الإعمار تصبح نتيجة مباشرة لنجاح العملية الأمنية، وليست حقاً مستقلاً.
ثالثاً: إعادة الإعمار كسلاح سياسي
في هذه الوثيقة، لم تعد إعادة إعمار الجنوب ملفاً إنسانياً أو اقتصادياً.
بل أصبحت أداة ضغط سياسية.
فالتمويل الدولي لن يبدأ إلا بعد: إزالة السلاح، نجاح التحقق، تثبيت سلطة الدولة.
وبالتالي تصبح الأموال الدولية مرتبطة بالأداء الأمني للحكومة اللبنانية.
رابعاً: إنشاء غرفة تنسيق عسكرية دائمة
النص يقترح إنشاء “MCG4L”، وهي مجموعة تنسيق عسكرية تعمل على مدار الساعة.
وهنا تكمن إحدى أهم النقاط.
فالوثيقة لا تتحدث عن لجنة مؤقتة، بل عن آلية دائمة لإدارة العلاقة الأمنية بين لبنان وإسرائيل بصورة غير مباشرة.
عملياً، يشكل ذلك انتقالاً من نموذج لجنة مراقبة تفاهم نيسان 1996 أو آليات تنفيذ القرار 1701 إلى بنية تنسيق عسكري مستمرة بإشراف أميركي.
خامساً: الجيش اللبناني اللاعب المركزي
تعطي الوثيقة الجيش اللبناني دوراً غير مسبوق.
فهو ليس مجرد قوة فصل.
بل يصبح مسؤولاً عن:
– تنفيذ عمليات نزع السلاح.
– فرض السيطرة الكاملة.
– منع إعادة بناء القدرات العسكرية.
– إدارة الأمن الوطني في المناطق التي كانت تخضع لنفوذ حزب الله.
وهذا يضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات عملياتية وسياسية وأمنية معقدة للغاية.
سادساً: الانسحاب الإسرائيلي مشروط
بعكس الانسحابات السابقة، فإن الوثيقة تجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بالكامل.
فإسرائيل لا تلتزم بجدول زمني ثابت.
بل تربط إعادة انتشارها بنتائج التحقق.
أي أن أي تأخير في تنفيذ عملية نزع السلاح قد يؤدي إلى إبطاء الانسحاب أو تجميده.
وهذا يمنح إسرائيل ورقة ضغط استراتيجية طوال مرحلة التنفيذ.
سابعاً: تغير مفهوم السيادة
من الناحية القانونية والسياسية، تحمل الوثيقة تحولاً لافتاً في مفهوم السيادة.
فهي تمنح:
– الولايات المتحدة دور الوسيط الضامن.
– جهة ثالثة حق التحقق.
– لجنة مشتركة حق الإشراف على التنفيذ.
– إمكانية تعديل الملحق بالتوافق.
وبالتالي تصبح إدارة الملف الأمني متعددة الأطراف، وليس قراراً سيادياً لبنانياً صرفاً.
ثامناً: انعكاسات داخلية
إذا نُفّذ هذا الملحق، فمن المرجح أن يشهد لبنان:
– إعادة رسم التوازن بين الدولة والقوى المسلحة.
– اشتداد الانقسام السياسي حول شرعية نزع السلاح وآلياته.
– ضغوطاً كبيرة على الحكومة والجيش لتنفيذ التزامات أمنية دقيقة.
– ربط المساعدات الدولية والإعمار بمستوى الالتزام ببنود الاتفاق.
وفي المقابل، فإن أي تعثر في التنفيذ قد يؤدي إلى تجميد الإعمار، وتأخير الانسحاب الإسرائيلي، وربما تجدد التوتر العسكري.
تاسعا: التقدير الاستراتيجي
إذا كان النص المتداول دقيقاً ويعكس بالفعل مضمون الملحق الأمني، فإنه يمثل أكبر تحول في البيئة الأمنية اللبنانية منذ اتفاق الطائف، وربما يتجاوز في أثره القرار الدولي 1701، لأنه لا يكتفي بتنظيم وقف الأعمال القتالية، بل يضع إطاراً زمنياً ومؤسساتياً لإعادة تشكيل احتكار الدولة للسلاح وربط ذلك مباشرة بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار.
في المقابل، ينبغي التعامل مع هذا النص بحذر إلى حين صدور تأكيد رسمي ونهائي من الأطراف المعنية، إذ إن تقييم آثاره القانونية والسياسية يعتمد على التحقق من النسخة النهائية المعتمدة، وما إذا كانت هذه البنود ستبقى بصيغتها الحالية أم ستخضع لتعديلات خلال مسار التنفيذ أو المصادقة.


