تقدير موقف استراتيجي | هيكل وحسابات المرحلة المقبلة

خاص – بيروت بوست
يشير مضمون كلمة قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة، في هذا التوقيت تحديدًا، إلى أكثر من رسالة داخلية وخارجية متزامنة، تتجاوز البعد المعنوي للمؤسسة العسكرية لتلامس مباشرة مسار التفاوض الإقليمي الجديد بين لبنان واسرائيل في واشنطن، واحتمال إعادة رسم قواعد الاشتباك على الحدود الجنوبية في ظل الانقسام اللبناني حول مستقبل سلاح حزب الله وتداعيات التفاهمات الأميركية – الإيرانية.
أولًا: الجيش كمرجعية وحيدة للاستقرار
يركز الخطاب بوضوح على أن الجيش اللبناني هو الضامن الوحيد للأمن والاستقرار ومنع الانزلاق الداخلي. الإشارة إلى “منع تحقيق الأهداف الإسرائيلية المتمثلة بزعزعة الأمن الداخلي” تعكس محاولة دقيقة للموازنة بين أمرين:
– رفض الانجرار إلى أي دور صدامي مباشر مع إسرائيل.
– تأكيد وظيفة ردع داخلية ضد الفوضى أو الانقسام الأهلي.
معادلة تعكس تموضع الجيش كمؤسسة توازن وليس كطرف في الصراع السياسي – العسكري القائم.
ثانيًا: رسالة موجهة إلى حزب الله
التشديد على الانضباط، ورفض الاستغلال الطائفي، ووحدة البزة العسكرية، يحمل رسالة غير مباشرة في سياق النقاش حول سلاح حزب الله. فالمؤسسة العسكرية:
– ترفض أي محاولة لجرّها إلى اصطفاف طائفي أو سياسي.
– تؤكد أن أي ترتيبات أمنية جنوبية يجب أن تمر عبرها حصريًا.
في سياق المفاوضات الجارية في واشنطن حول “مناطق تجريبية” لتسليمها للجيش، يبدو الجيش هنا كأنه يضع شرطًا ضمنيًا: أي انتشار أو استلام مسؤوليات يجب أن يتم ضمن إطار وطني جامع لا يُستغل داخليًا لإعادة توزيع النفوذ بين الدولة والمقاومة.
ثالثًا: تموضع ضمن التفاهم الأميركي .- الإيراني
في ظل الحديث عن إعادة تنظيم العلاقة غير المباشرة بين واشنطن وطهران، يبرز الجيش كأداة “تخفيف صدام”:
– واشنطن تحتاج مؤسسة شرعية قابلة لتوسيع دورها جنوبًا بدل التصعيد مع لبنان.
– طهران لا ترغب في انهيار مفاجئ لتوازن نفوذها عبر حزب الله.
لذلك، يبدو خطاب قائد الجيش منسجمًا مع وظيفة “الحد الأدنى من الاستقرار”، أي إدارة المرحلة الانتقالية دون انفجار.
رابعًا: التنسيق مع سوريا
تعكس الإشارة إلى التنسيق الجيد على الحدود الشمالية والشرقية تطورًا مهمًا: تثبيت الجيش كجهة ضبط إقليمي غير متنازع عليها، خصوصًا بعد إعادة تشكل العلاقة مع دمشق. هذا يعزز صورة الجيش كفاعل إقليمي تقني أكثر منه سياسي.
خامسًا: دلالات داخلية
يشير الشق المتعلق برفض التشكيك بالجيش أو تسييس قضاياه الداخلية (مثل الموقوفين) إلى تحدٍّ داخلي متصاعد:
– ضغط الشارع والطوائف.
– محاولات التأثير السياسي على المؤسسة.
– حساسية المرحلة الانتقالية جنوبًا.
يحاول الجيش هنا حماية تماسكه الوظيفي في لحظة قد يُطلب منه فيها القيام بدور أكبر من قدراته السياسية – اللوجستية.
سادسا: تقدير الموقف العام
يمكن قراءة الموقف على الشكل التالي:
– الجيش يتموضع كبديل تقني–أمني لأي فراغ محتمل جنوب الليطاني، دون الدخول في الصراع حول سلاح حزب الله بشكل مباشر.
– المفاوضات في واشنطن تضعه في قلب مرحلة اختبار: هل يمكن تحويله إلى قوة انتشار تدريجي بدل القوى غير النظامية؟
– خطاب قائد الجيش هو تحييد سياسي مُعلن” يهدف إلى منع انهيار الثقة داخليًا، بالتوازي مع استعداد لزيادة المهام الميدانية.
– الانقسام اللبناني حول الاتفاق الأميركي – الإيراني يجعل الجيش في موقع “الصمام”، لا الحكم النهائي.
سابعا: السيناريوهات المحتملة
1. سيناريو التدرج (الأرجح)
تسليم مناطق محددة للجيش ضمن ترتيبات ميدانية تدريجية، مع بقاء واقع ازدواجية السلاح قائمًا لكن مضبوطًا.
2. سيناريو الجمود
فشل التفاهمات في واشنطن يؤدي إلى إبقاء الوضع القائم، مع استمرار الجيش في دور الضبط دون توسع.
3. سيناريو التصعيد
انهيار التوازنات يؤدي إلى احتكاك مباشر جنوبًا، ما يضع الجيش أمام اختبار يفوق قدرته على الحياد.
ثامنا: خلاصة
خطاب قائد الجيش ليس مجرد توجيه داخلي، بل هو بيان تموضع استراتيجي لمؤسسة تحاول أن تبقى فوق الانقسام اللبناني، وفي الوقت نفسه جاهز، ولو ضمن حدود دقيقة، للدخول في هندسة أمنية جديدة قد تُرسم في واشنطن، وتُختبر على الأرض في الجنوب اللبناني.


