خاص – بيروت بوست
لم يكن خطاب أمين عام حزب الله، بالامس، مناسبة لتجديد الثوابت العقائدية أو الرد على الضغوط الإسرائيلية فحسب، بل حمل ما يشبه إعلاناً سياسياً عن سقوط المرحلة التي أعقبت الحرب، وبدء مرحلة جديدة عنوانها إعادة رسم موازين القوى داخل الدولة اللبنانية.
فبين سطور الخطاب، بدت الرسالة واضحة: الحزب لم يعد يعتبر أن المواجهة تقتصر على إسرائيل والولايات المتحدة، بل انتقلت إلى الداخل، حيث يرى أن السلطة السياسية تسير في مسار يتعارض مع رؤيته لمفهوم السيادة ومستقبل لبنان.
اللافت أن الخطاب تعمد للمرة الأولى وضع رئاسة الجمهورية في قلب الاشتباك السياسي. فالهجوم على أداء الرئيس لم يكن عابراً، بل جاء مباشراً وحاداً، من خلال اتهامه بالتخلي عن موقع “الحكم” والتحول إلى “طرف”. وفي الحسابات السياسية، لا تبدو هذه العبارة مجرد انتقاد، بل تعكس قراراً برفع مستوى المواجهة مع العهد، بعدما كانت الخلافات تُدار خلال الأشهر الماضية بعيداً عن المنابر.
تشير القراءة السياسية إلى أن الحزب أراد إسقاط الرواية التي تتحدث عن مرحلة جديدة يقودها العهد لإعادة تكريس مرجعية الدولة في القرار الأمني والعسكري. لذلك، أعاد تثبيت معادلة تعتبر أن المقاومة ليست ملفاً قابلاً للتفاوض، وأن أي محاولة لإعادة ترتيب السلطة على قاعدة حصرية السلاح ستُعد استكمالاً للحرب بوسائل سياسية.
في المقابل، وضع الخطاب العهد أمام معضلة وجودية. فالرئاسة التي استندت إلى دعم مسيحي واسع تحت شعار بناء الدولة واستعادة القرار السيادي، تواجه اليوم خطاباً يحمّلها مسؤولية السير في مشروع أميركي – إسرائيلي. وهذه المقاربة لا تستهدف الرئاسة وحدها، بل تضرب أيضاً الصورة التي حاول العهد ترسيخها داخل البيئة المسيحية بوصفه الضامن لتوازن الدولة، لا طرفاً في صراع المحاور.
تبدو خطورة هذا التحول في أنه ينقل الانقسام اللبناني من النقاش حول تطبيق التفاهمات الأمنية إلى مواجهة مفتوحة حول طبيعة النظام السياسي نفسه. فالحزب أعلن عملياً أن مستقبل لبنان لا يُرسم في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية ولا عبر الضغوط الغربية، بل في ميزان القوى الذي تفرضه المقاومة والمحور الإقليمي الذي تنتمي إليه.
الى ذلك، لم يكن تفصيلاً أن يمنح الخطاب مساحة واسعة لإيران، رابطاً وقف التصعيد بالتفاهم الأميركي – الإيراني، ومؤكداً أن طهران كانت الضامن الأول لمنع توسع الحرب. فهذه الرسالة تعني أن الحزب يرفض أي محاولة لفصل الساحة اللبنانية عن التوازنات الإقليمية، ويعتبر أن أي تسوية داخلية لن تكون قابلة للحياة إذا تجاهلت هذا الواقع.
في موازاة التصعيد تجاه العهد، حرص الحزب على توجيه رسائل طمأنة إلى بيئته، عبر التأكيد على استمرار مشروع الإعمار، وتماسك العلاقة مع حركة أمل، والانفتاح على سوريا، بما يوحي بأنه يعمل على تحصين جبهته الداخلية استعداداً لمرحلة سياسية قد تكون أشد تعقيداً من المرحلة العسكرية.
من هنا، لا يمكن التعامل مع الخطاب باعتباره موقفاً عابراً أو رد فعل على تطورات ميدانية. فهو أقرب إلى إعلان مرحلة سياسية جديدة، عنوانها إعادة رسم خطوط الاشتباك داخل لبنان. وإذا كان الجنوب لا يزال ساحة المواجهة مع إسرائيل، فإن بيروت تبدو مرشحة لتكون ساحة المواجهة على مستقبل الدولة نفسها.
أما العهد، فيقف اليوم أمام أصعب امتحان منذ انتخاب الرئيس. فالتراجع أمام هذا التصعيد قد ينعكس على صورته داخل الشارع المسيحي الذي انتخب مشروع الدولة، فيما الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع حزب الله يحمل مخاطر انقسام داخلي في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة. وبين هذين الخيارين، تبدو بعبدا أمام معركة سياسية قد تحدد ليس فقط مستقبل الولاية الرئاسية، بل أيضاً شكل النظام اللبناني في مرحلة ما بعد الحرب.


