خاص – بيروت بوست
شكلت كلمة الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم محطة سياسية بالغة الأهمية، ليس فقط لأنها جاءت بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني، بل لأنها تضمنت للمرة الأولى إقراراً سياسياً واضحاً بأن لبنان كان جزءاً من معادلة التفاوض الإقليمية التي قادت إلى وقف الحرب وترتيب التفاهم بين واشنطن وطهران.
ففي الوقت الذي كان يدور فيه نقاش لبناني واسع حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في فصل الملف اللبناني عن المفاوضات مع إيران، أو ما إذا كانت قد أعادت ربطه بها ضمن صفقة أوسع، جاء قاسم ليقدم رواية مختلفة تماماً عن الرواية الرسمية اللبنانية، عندما شكر الجمهورية الإسلامية الإيرانية على “ربط ساحة لبنان كمقاومة وشعب” بمسار المواجهة مع إسرائيل وبنتائج الاتفاق. وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية للكلمة.
أولاً: اعتراف ضمني
سعت الرئاسة اللبنانية وبعض القوى السياسية، طوال الأشهر الماضية، إلى تكريس معادلة مفادها أن الدولة اللبنانية أصبحت صاحبة القرار التفاوضي وأن أي تسوية تخص الجنوب أو الوضع الأمني تمر عبر المؤسسات الشرعية اللبنانية.
وقد اختصرت بعبدا هذه المقاربة بعبارته الشهيرة: “الدولة تفاوض عن نفسها”.
لكن القراءة المتأنية لكلمة الشيخ نعيم قاسم تكشف أن حزب الله ينظر إلى المشهد بطريقة مختلفة. فالحزب لا يتحدث عن لبنان بوصفه ملفاً مستقلاً عن الصراع الإقليمي، بل بوصفه جزءاً من محور إقليمي خاض معركة مشتركة انتهت إلى اتفاق فرض على واشنطن وإسرائيل التراجع عن أهدافهما.
لذلك فإن شكر إيران على “ربط لبنان” بالاتفاق ليس تفصيلاً لغوياً، بل رسالة سياسية مقصودة تعني أن الحزب يعتبر أن حماية لبنان لم تأتِ من مفاوضات الدولة وحدها، بل من إدراج الساحة اللبنانية ضمن معادلة القوة التي فرضتها طهران خلال المواجهة.
ثانياً: محاولة إعادة تعريف الانتصار
اللافت أن قاسم لم يقدّم الاتفاق الأميركي – الإيراني بوصفه تسوية متبادلة، بل بوصفه انتصاراً استراتيجياً كاملاً لإيران ومحور المقاومة.
فكلامه يقوم على ثلاث فرضيات أساسية:
– المشروع الأميركي لإسقاط النظام الإيراني فشل.
– إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها العسكرية.
– موازين القوى الإقليمية انتقلت لمصلحة محور المقاومة.
فمن خلال هذا البناء السياسي يحاول الحزب إنتاج سردية جديدة للحرب مفادها أن ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه عسكرياً لن تتمكن من تحقيقه سياسياً.
هنا يصبح الحديث عن نزع السلاح أو إعادة صياغة دور حزب الله خارج إطار النقاش المقبول بالنسبة للحزب.
ثالثاً: الرسالة المباشرة إلى واشنطن
يمكن اعتبار القسم المتعلق بالسلاح أهم جزء سياسي في الكلمة. فالشيخ نعيم قاسم رسم خطاً أحمر واضحاً عندما قال إن سقف أي تفاوض مع إسرائيل هو “الأمن المتبادل”، وأن أي مشروع تحت عنوان نزع السلاح “لن يمر”، في موقف يتجاوز السجال الداخلي اللبناني ليشكل رسالة مباشرة إلى واشنطن.
فالولايات المتحدة تعتقد أن الاتفاق مع إيران يفتح نافذة لمعالجة الملفات العالقة في لبنان، وفي مقدمتها سلاح حزب الله. أما الحزب فيقول عملياً إن الاتفاق أوقف الحرب لكنه لم يغير طبيعة ميزان القوى الداخلي ولم ينتج تفويضاً أميركياً أو إيرانياً لمناقشة مستقبل المقاومة.
بمعنى آخر، حاول الحزب الفصل بين الاتفاق الإقليمي وبين ملف سلاحه، رغم إقراره بأن لبنان كان جزءاً من الاتفاق نفسه.
رابعاً: تقاطع غير متوقع مع عون
المفارقة أن الكلمة احتوت على نقطة تقاطع مهمة مع خطاب رئيس الجمهورية. فعندما دعا قاسم إلى عدم ربط المطالب اللبنانية بأي قضية داخلية، وإلى مناقشة السلاح والاستراتيجية الدفاعية داخلياً، فإنه يقترب نظرياً من منطق اسلطة القائل إن الشؤون اللبنانية يجب أن تُبحث بين اللبنانيين. لكن الفارق الجوهري يكمن في المرجعية.
فرئاسة الجمهورية وفريقها، ينطلقون من فكرة أن الدولة هي صاحبة القرار السيادي الوحيد.
أما حزب الله فينطلق من فكرة أن المقاومة شريك مؤسس في القرار الوطني ولا يمكن تجاوزها أو التعامل معها كملف أمني قابل للتفاوض الخارجي.
وهذا هو جوهر الخلاف الحقيقي داخل لبنان اليوم.
خامسا: التقدير الاستراتيجي
تكشف كلمة الشيخ قاسم أن الاتفاق الأميركي – الإيراني لم يؤدِّ إلى فك الارتباط بين لبنان وإيران كما كان يراهن بعض خصوم حزب الله، بل أدى إلى انتقال العلاقة إلى مستوى أكثر وضوحاً وشرعية في الخطاب السياسي للحزب.
في المقابل، تحاول الرئاسة اللبنانية تثبيت معادلة معاكسة عنوانها أن الدولة هي الجهة الوحيدة المخولة التفاوض باسم لبنان.
لذلك يبدو أن المرحلة المقبلة لن تشهد مواجهة حول الاتفاق نفسه، بل حول تفسير نتائجه. فهل يعني الاتفاق أن لبنان أصبح جزءاً من منظومة أمن إقليمية ترعاها التفاهمات الأميركية – الإيرانية؟ أم أنه يشكل فرصة لإعادة بناء السيادة اللبنانية المستقلة عن المحاور؟
سؤال سيحدد شكل الحياة السياسية اللبنانية في السنوات المقبلة.
سادسا: الخلاصة
إذا كانت عبارة رئيس الجمهورية “الدولة تفاوض عن نفسها” تمثل محاولة لتكريس استقلال القرار اللبناني، فإن عبارة الامين العام التي تشكر إيران على “ربط ساحة لبنان” بالاتفاق، تمثل اعترافاً سياسياً بأن الحزب يرى أمن لبنان ومستقبله جزءاً من التوازنات الإقليمية التي صنعتها المواجهة بين واشنطن وطهران.
عليه، فإن جوهر الصراع اللبناني بعد الاتفاق لم يعد يدور حول الحرب والسلم فقط، بل حول سؤال أكثر عمقاً: من يملك حق تعريف المصلحة الوطنية اللبنانية؟ الدولة وحدها أم الدولة والمقاومة معاً؟
وهذا هو النقاش الذي سيحكم المرحلة المقبلة أكثر من أي ملف آخر.

