خاص – بيروت بوست
في التوقيت السياسي والاستراتيجي، لا يمكن التعامل مع تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أنه مجرد موقف تضامني مع لبنان وسوريا، بل هو إعلان عن رؤية أمنية تركية تتجاوز الحدود التقليدية للدولة التركية. فعندما يقول إن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت وليس من هاتاي، فهو يعيد إحياء مفهوم “العمق الاستراتيجي” الذي حكم السياسة الخارجية التركية خلال العقدين الأخيرين.
أولاً: الرسالة الموجهة إلى إسرائيل
في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان وسوريا، ترى أنقرة أن ما يجري لم يعد مجرد مواجهة إسرائيلية مع خصومها المباشرين، بل عملية إعادة تشكيل للخريطة الأمنية في المشرق.
إشارة أردوغان إلى “أوهام أرض الميعاد” تحمل دلالة سياسية عميقة، إذ تعكس قناعة تركية متنامية بأن إسرائيل لم تعد تكتفي بضرب قدرات خصومها، بل تسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد يمنحها هامشاً أوسع من النفوذ العسكري والأمني. ومن هذا المنطلق، تحاول أنقرة رسم خط أحمر سياسي مفاده أن أي تغيير جذري في توازنات سوريا ولبنان ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي التركي.
ثانياً: ماذا تعني بيروت في العقيدة الأمنية التركية؟
إدراج بيروت إلى جانب دمشق وحلب ليس تفصيلاً لغوياً.
فتركيا تدرك أن انهيار الاستقرار اللبناني سيؤدي إلى:
- توسع دائرة النفوذ الإسرائيلي شرق المتوسط.
- زيادة الضغوط الأمنية على سوريا.
- تقليص هامش الحركة التركي في المشرق العربي.
- فتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة قد تستثني أنقرة من معادلات النفوذ المستقبلية.
لذلك يمكن فهم كلام أردوغان باعتباره إعلاناً بأن لبنان أصبح جزءاً من المجال الحيوي الأمني التركي، ولو سياسياً ودبلوماسياً وليس عسكرياً في المرحلة الحالية.
ثالثاً: ماذا لو صحت التقارير عن دعوة ترامب لسوريا للتدخل في لبنان؟
إذا افترضنا وجود توجه أميركي يدفع دمشق إلى لعب دور أمني أو سياسي أكبر في لبنان، فإن ذلك يفتح الباب أمام مشهد إقليمي جديد.
فالولايات المتحدة قد تكون بصدد البحث عن ترتيبات استقرار سريعة تمنع توسع الحرب وتحد من الفوضى على الحدود الشمالية لإسرائيل. أما دمشق فسترى في ذلك فرصة لإعادة تثبيت دورها الإقليمي واستعادة جزء من نفوذها التاريخي في الساحة اللبنانية.
لكن المفارقة أن هذا السيناريو قد يلتقي جزئياً مع المصالح التركية؛ لأن أنقرة تفضل وجود دولة سورية موحدة وقادرة على ضبط حدودها ومحيطها على انهيار شامل يفتح المجال أمام فراغات أمنية تستفيد منها قوى متعددة.
رابعاً: دور تركي أكبر؟
لا توجد مؤشرات، حتى الآن، على استعداد تركي لتدخل عسكري مباشر في لبنان، لكن تصريحات أردوغان توحي بثلاث خطوات محتملة:
- رفع مستوى الانخراط الدبلوماسي في الملف اللبناني.
- تعزيز التنسيق الأمني والسياسي مع دمشق.
- المشاركة في أي ترتيبات إقليمية جديدة تتعلق بأمن شرق المتوسط وبلاد الشام.
خامسا: التقدير الاستراتيجي
التصريح التركي يعكس انتقال أنقرة من مرحلة مراقبة التطورات إلى مرحلة إعلان المصالح. فتركيا ترى أن مستقبل التوازنات في لبنان وسوريا لم يعد قضية عربية أو إسرائيلية فقط، بل أصبح جزءاً من أمنها القومي المباشر.
وعليه، فإن الرسالة الأبرز في كلام أردوغان ليست موجهة إلى بيروت أو دمشق، بل إلى إسرائيل والولايات المتحدة معاً: أي إعادة رسم للشرق الأوسط بعد الحرب يجب أن تأخذ المصالح التركية في الاعتبار، وإلا فإن أنقرة ستكون لاعباً معترضاً على الترتيبات الجديدة، لا مجرد متفرج عليها.
الخلاصة
ما قاله أردوغان قد يكون أحد أوضح المؤشرات حتى الآن على ولادة معادلة إقليمية جديدة عنوانها: “أمن تركيا يبدأ من المشرق”. وفي حال استمرت الحرب الإسرائيلية على لبنان وسوريا، فإن أنقرة تبدو مستعدة للانتقال من موقع المتابع إلى موقع الشريك الفاعل في رسم خرائط ما بعد الحرب.

