خاص بيروت بوست
شكلت رسالة امين عام حزب الله أمس، وثيقة سياسية متكاملة تعكس رؤية محور المقاومة للمرحلة التي تلت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وللضغوط المتزايدة على حزب الله في الداخل.
فهو لا يقتصر على إحياء ذكرى الإمام الخميني، بل يشكل إعلان موقف استراتيجي من ثلاثة ملفات مترابطة: مستقبل النظام الإيراني، مصير سلاح المقاومة في لبنان، وشكل التسوية التي تحاول واشنطن فرضها في المنطقة.
أولاً: الرسالة الأساسية للخطاب
الرسالة المركزية واضحة: لا فصل بين أمن لبنان وسلاح المقاومة، ولا قبول بأي تسوية تجعل نزع السلاح شرطاً لوقف العدوان الإسرائيلي.
فمن خلال هذا المنطلق، يسعى الخطاب إلى إعادة تعريف الصراع الدائر حالياً، بحيث لا يظهر كصراع بين الدولة اللبنانية وحزب الله حول السلاح، بل كصراع بين مشروعين:
– مشروع المقاومة والاستقلال.
– مشروع الهيمنة الأميركية ـ الإسرائيلية.
وبذلك يحاول نقل النقاش من الإطار الداخلي اللبناني إلى الإطار الإقليمي والاستراتيجي الأوسع.
ثانياً: دلالات الإشادة بإيران والخامنئية الجديدة
لا تكتفي الرسالة بالدفاع عن إيران، بل تقدم الثورة الإسلامية كنموذج عالمي للعدالة والاستقلال.
وفي هذا السياق تبرز ثلاث رسائل:
1- تثبيت شرعية المحور بعد الحرب:
رغم الضربات التي تعرضت لها إيران، يسعى الخطاب إلى التأكيد أن مشروع الجمهورية الإسلامية ما زال قائماً وقادراً على الاستمرار.
2- تأكيد وحدة الساحات السياسية:
الربط بين لبنان وإيران وغزة يعكس استمرار فكرة “وحدة الجبهات” حتى وإن تعرضت لانتكاسات ميدانية.
3- رسالة داخلية للحاضنة الشعبية:
الحديث عن “النصر” و”الصمود” يهدف إلى منع أي اهتزاز داخل البيئة المؤيدة للمقاومة نتيجة الخسائر العسكرية أو الضغوط السياسية.
ثالثاً: الهجوم المباشر على السلطة اللبنانية
يعتبر هذا الجزء من أكثر أجزاء الرسالة حساسية.
فالشيخ نعيم لا ينتقد إسرائيل أو واشنطن فقط، بل يوجه اتهاماً مباشراً للسلطة اللبنانية بأنها تسير في مسار تفاوضي يؤدي إلى:
– إضعاف المقاومة.
– تعميق الانقسام الداخلي.
– تقديم تنازلات استراتيجية لإسرائيل.
هنا يظهر تحول مهم في الخطاب السياسي، إذ لم يعد الخلاف مع بعض القوى اللبنانية خلافاً تكتيكياً، بل أصبح خلافاً حول تعريف السيادة نفسها.
فالسلطة تعتبر أن حصر السلاح بيد الدولة هو أساس السيادة، بينما يرى الخطاب أن السيادة تبدأ بوقف العدوان الإسرائيلي قبل أي نقاش داخلي آخر.
رابعاً: أخطر ما ورد في الخطاب
أخطر فقرة استراتيجياً هي: “ما دامت قرانا غير آمنة فلن تكون المستوطنات آمنة”. عبارة تعني عملياً إعادة إحياء معادلة الردع التقليدية التي قامت عليها مواجهة حزب الله مع إسرائيل منذ عام 2006.
وهي تحمل ثلاثة معانٍ:
– رفض الفصل بين الجبهة اللبنانية والجبهة الإسرائيلية.
– الاحتفاظ بحق الرد العسكري رغم الضغوط الدولية.
– التلويح بإمكانية العودة إلى استهداف العمق الإسرائيلي إذا استمر التصعيد.
لكن اللافت أن الخطاب يستخدم التهديد السياسي أكثر من إعلان قرار عسكري فوري، ما يوحي بأن الهدف هو رفع كلفة الضغوط وليس فتح حرب شاملة الآن.
خامساً: ماذا يكشف الخطاب عن المرحلة المقبلة؟
يمكن استنتاج أربعة مؤشرات:
1- رفض كامل لمسار نزع السلاح: فالخطاب يغلق الباب أمام أي مقاربة تعتبر أن ملف السلاح يمكن أن يكون بنداً أولياً في أي تسوية.
2- التمسك بمعادلة “وقف العدوان أولاً”: أي أن أي حوار داخلي أو ترتيبات أمنية يجب أن تسبقها خطوات إسرائيلية ملموسة.
3- انتقال المواجهة إلى الحقل السياسي: في المرحلة الحالية تبدو المعركة الأساسية سياسية ودستورية أكثر منها عسكرية.
4- محاولة إعادة تجميع البيئة الحاضنة: فالخطاب يحمل بعداً تعبويّاً واضحاً يهدف إلى شد العصب الداخلي وإعادة ربط الجمهور بالمرجعية العقائدية للثورة الإيرانية بعد مرحلة مليئة بالتحولات الإقليمية.
سادسا: تقدير الموقف
يدل الخطاب على أن حزب الله ومحور المقاومة يعتبران أن المرحلة الحالية ليست مرحلة تسوية نهائية بل مرحلة صراع على شروط التسوية.
فواشنطن وحلفاؤها يسعون إلى استثمار نتائج الحرب لتعديل موازين القوى الداخلية في لبنان ووضع ملف السلاح على الطاولة، بينما يسعى حزب الله إلى منع تحويل أي وقف لإطلاق النار أو ترتيبات أمنية إلى مدخل لنزع قدراته العسكرية.
لذلك يمكن القول إن لبنان يدخل مرحلة شديدة الحساسية عنوانها: الصراع على تعريف السيادة اللبنانية. فبينما ترى الدولة أن السيادة تمر عبر احتكار السلاح، ترى المقاومة أن السيادة تبدأ بإنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية أولاً.
بين هذين المفهومين ستدور المواجهة السياسية الكبرى خلال الأشهر المقبلة، وقد تكون أكثر تعقيداً من المواجهة العسكرية نفسها.
