خاص – بيروت بوست
شكلت كلمة رئيس الحكومة، نواف سلام، بعد جلسة مجلس الوزراء، محاولة واضحة لإعادة صياغة مقاربة الدولة اللبنانية لملف الصراع مع إسرائيل من زاوية “الدولة التفاوضية” بدل “الدولة المنفعلة”. وهو كلام سياسي محسوب بدقة، يوازن بين الضغط الدولي، وحساسية الداخل اللبناني، وواقع ميزان القوى على الأرض.
من هنا يمكن تفكيك هذا النص على ثلاثة مستويات: المنهج التفاوضي، إدارة ملف المقاومة والسلاح، وتثبيت شرعية الدولة.
أولاً: التحول نحو “الدولة التفاوضية”
يؤسس كلامه لمعادلة سياسية واضحة: لبنان لا يملك ترف الخيارات الصفرية، بل يختار “أقل الأكلاف” ضمن الممكن.
فعندما يقول رئيس الحكومة إن التفاوض هو “الأسرع والأقل كلفة”، فهو يضع إطاراً جديداً لصناعة القرار يقوم على:
– الاعتراف بوجود حرب قائمة فعلياً أو تهديد مستمر.
– غياب القدرة على فرض حل عسكري أو أحادي.
– محدودية فاعلية المسارات القضائية والدولية (محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن).
ويعكس هذا الطرح انتقالاً من منطق “المواجهة” إلى منطق “إدارة النزاع”، وهو تحول مهم في خطاب الدولة اللبنانية الرسمي، خاصة في ظل التصعيد الإقليمي.
لكن في العمق، هذا الخيار ليس فقط تقنياً، بل سياسياً أيضاً، انه هو محاولة لإعادة تموضع لبنان كطرف تفاوضي مباشر لا كمساحة صراع بالوكالة.
ثانياً: ملف المقاومة والسلاح – مقاربة التفكيك الهادئ
أكثر ما يلفت في الخطاب هو الطريقة التي يتم فيها إدخال ملف السلاح ضمن سردية قانونية – دستورية وليس صدامية، حيث يمكن التوقف عند أبرز النقاط التالية:
1. ربط 1701 بالطائف:
– القرار 1701 يُقدَّم كالتزام دولي قائم.
– اتفاق الطائف يُقدَّم كمرجعية داخلية لحصرية السلاح.
بهذا المعنى، يتم تحويل ملف “السلاح” من قضية سياسية خلافية إلى التزام مزدوج (دولي + دستوري).
2. تحميل المسؤولية التاريخية:
الإشارة إلى “فرص ضائعة” (2000 و2005) تحمل رسالة سياسية ضمنية:
– الدولة تعتبر أن استمرار ازدواجية السلاح هو نتيجة تراكمات تاريخية.
– هناك نافذة زمنية جديدة يجب عدم تضييعها.
هذه اللغة ليست تقنية، بل تمهيد سياسي لإعادة طرح ملف حصرية السلاح على الطاولة بشكل أكثر جدية.
3. “الانتشار التجريبي” للجيش:
هذه العبارة مهمة جداً استراتيجياً، لأنها تعني عملياً:
– بدء تطبيق تدريجي لفكرة “احتكار الدولة للأمن”.
– اختبار قدرة الجيش على ملء الفراغ الأمني في مناطق محددة.
– وضع نموذج يمكن تعميمه لاحقاً.
أي أن الدولة لا تتحدث عن قرار فوري، بل عن مسار تدريجي لإعادة هندسة الواقع الأمني.
ثالثاً: إدارة التوازن مع المقاومة والقوى الداخلية
لا يذهب الخطاب إلى مواجهة مباشرة مع أي طرف داخلي، لكنه يعتمد أسلوب “تحميل المسؤولية الأخلاقية والسياسية”. فهو عندما يقول: “من يرفض أو يماطل يتحمّل وحده الوزر أمام التاريخ”، فهو يستخدم ثلاث أدوات سياسية:
– نزع الشرعية السياسية عن الرفض (بدون تسمية).
– نقل النقاش من السياسة إلى المسؤولية التاريخية والأخلاقية.
– تهيئة الرأي العام لتحميل تبعات التعطيل لطرف محدد لاحقاً.
صيغة ذكية لتجنب الصدام المباشر، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف الضغط السياسي تدريجياً.
رابعاً: البعد الخارجي – رسائل متعددة الاتجاهات
الخطاب موجه أيضاً للخارج، خصوصاً:
– الولايات المتحدة (التفهّم والدعم الأميركي)
– الدول العربية (الدعم العربي)
– المجتمع الدولي
الرسالة الأساسية هنا: لبنان مستعد للمسار التفاوضي المنضبط ضمن الشرعية الدولية، لكنه يحتاج غطاءً دولياً لتجنب الانهيار أو التصعيد.
وبالتالي، الحكومة تحاول تثبيت نفسها كشريك قابل للتفاوض، وليس طرفاً عاجزاً أو خاضعاً بالكامل لموازين داخلية غير مستقرة.
خامسا: تقدير موقف عام
يمكن تلخيص دلالات الخطاب في ثلاث نقاط استراتيجية:
1. انتقال الدولة إلى “إدارة النزاع بدل إدارته بالإنابة”، اذ هناك محاولة لإعادة احتكار القرار التفاوضي من يد الفاعلين غير الدولتيين إلى الدولة.
2. فتح تدريجي لملف السلاح ولكن بدون صدام مباشر، فالخطاب لا يطلب نزع سلاح فوري، لكنه: يشرعن النقاش، يؤطره قانونياً، ويبدأ خطوات ميدانية (انتشار الجيش)، في مؤشر إلى مسار طويل وليس قراراً لحظياً.
3. بناء ضغط سياسي داخلي غير مباشر
من خلال:
– تحميل المسؤولية التاريخية
– ربط التعطيل بالخسائر اليومية للجنوب
– تصوير الدولة كضحية تعطيل داخلي
سادسا: الخلاصة الاستراتيجية
يشكل خطاب الرئيس نواف سلام محاولة لإطلاق مسار سياسي تدريجي لإعادة تموضع الدولة اللبنانية كمرجعية أمنية وسياسية وحيدة، عبر أدوات التفاوض، والشرعية الدولية، والانتشار العسكري التدريجي، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن هذا المسار:
– لا يمكن فرضه بسرعة
– يحتاج إلى توازن دقيق مع القوى الداخلية وإلى غطاء دولي مستمر
بمعنى آخر: هو ليس إعلان حسم، بل افتتاح مرحلة انتقالية طويلة لإعادة تعريف مفهوم السيادة في لبنان عملياً، وليس نظرياً.

