تقدير موقف استراتيجي | قراءة في تصريح “وليد بيك” من عين التينة
خاص – بيروت بوست
يحمل كلام الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، بعد لقائه رئيس مجلس النواب، نبيه بري، دلالات تتجاوز البعد الإنساني والإغاثي المرتبط بالنزوح من الجنوب، ليشكّل مؤشراً سياسياً على تبلور مقاربة داخلية جديدة لإدارة المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل الحديث المتصاعد عن تقاطع سياسي بين الثلاثي بري- سلام – جنبلاط، بترتيب سعودي.
أولاً: ما وراء خطاب “الوحدة الداخلية”
اختار “البيك” التركيز على عبارة “الوحدة الداخلية سلماً أم حرباً”، التي تحمل رسائل متعددة الاتجاهات، فهي تعكس إدراكاً لدى القوى السياسية التقليدية بأن لبنان يقف أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تتراوح بين استمرار التصعيد الإسرائيلي أو الانتقال إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في الجنوب، كما أنها تمثل دعوة استباقية لمنع انقسام داخلي مشابه لما شهدته البلاد خلال محطات سابقة.
هنا، يبدو أن المختارة تتبنى خطاباً ينسجم مع مقاربة بري القائمة على أولوية حماية الجبهة الداخلية ومنع تحويل أي تصعيد عسكري إلى أزمة سياسية داخلية.
ثانياً: هل يتشكل محور بري- سلام – جنبلاط؟
توحي المؤشرات السياسية خلال الأسابيع الأخيرة بوجود مساحة مشتركة تتسع بين الأطراف الثلاثة، وإن لم ترتقِ بعد إلى مستوى “تحالف” بالمعنى التقليدي، حيث يرتكز هذا التقاطع على ثلاثة عناوين رئيسية:
– منع انهيار مؤسسات الدولة في ظل الضغوط الأمنية والاقتصادية.
– إدارة ملف الجنوب والنازحين ضمن إطار الدولة وليس عبر المبادرات المتفرقة.
– تجنب الانزلاق إلى مواجهة داخلية حول سلاح المقاومة أو مستقبل التسوية مع إسرائيل في هذه المرحلة.
ملاحظة، أن الرئيس نواف سلام، رغم اختلاف خلفيته السياسية عن الرئيس نبيه بري، بات يعتمد خطاباً أكثر واقعية تجاه التوازنات الداخلية، فيما يحاول وليد جنبلاط لعب دوره التقليدي كوسيط بين المكونات اللبنانية المختلفة.
ثالثاً: الرسالة إلى الخارج
لا يمكن فصل هذا الموقف عن التطورات الإقليمية. فمع تصاعد الضغوط الدولية لإعادة رسم الواقع الأمني في جنوب لبنان، تسعى بعض القوى اللبنانية إلى إظهار وجود حد أدنى من التماسك الداخلي يمنع فرض حلول خارجية أو استغلال الانقسامات اللبنانية.
من هنا، فإن الحديث عن الإيواء والنازحين لا يقتصر على الجانب الإنساني، بل يندرج أيضاً ضمن محاولة إثبات أن الدولة ما زالت قادرة على إدارة تداعيات الحرب، ولو بحدودها الدنيا.
رابعاً: حدود هذا التقارب
رغم التقاطع الحالي، فإن العلاقة بين الثلاثي بري – سلام – جنبلاط لا تزال أقرب إلى “تفاهم إدارة أزمة” منها إلى تحالف سياسي متكامل. فالملفات الخلافية الكبرى لا تزال قائمة، سواء في ما يتعلق بالإصلاحات الاقتصادية أو مستقبل الاستراتيجية الدفاعية أو طبيعة العلاقة مع المجتمع الدولي.
لكن ما يجمع الأطراف الثلاثة اليوم هو قناعة مشتركة بأن الأولوية ليست للصراعات السياسية التقليدية، بل لمنع انفجار الساحة اللبنانية في لحظة إقليمية شديدة الخطورة.
خامسا: تقدير الموقف
يمكن اعتبار موقف جنبلاط من عين التينة بمثابة إعلان غير مباشر عن نشوء جبهة سياسية وسطية تتقاطع حول حماية الاستقرار الداخلي وإعطاء الأولوية للدولة في إدارة تداعيات الحرب.
فإذا استمرت الضغوط العسكرية الإسرائيلية وتزايدت أعداد النازحين، فمن المرجح أن يتحول هذا التقاطع بين بري وسلام وجنبلاط إلى إطار سياسي أكثر وضوحاً، هدفه إدارة المرحلة الانتقالية المقبلة، سواء انتهت إلى تسوية إقليمية واسعة أو إلى جولة تصعيد جديدة.
وبالتالي، فإن جوهر الرسالة لا يكمن في الحديث عن مراكز الإيواء أو المساعدات فحسب، بل في الإشارة إلى أن جزءاً مهماً من الطبقة السياسية اللبنانية بدأ يبحث عن “مظلة داخلية مشتركة” تحصّن البلاد أمام المتغيرات المقبلة، وتمنع أن تتحول الحرب الدائرة على الحدود إلى شرارة لإعادة إنتاج الانقسام اللبناني التقليدي.
