خاصإقليميدولينزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | “حزام المقاومة” الجديد …. عقيدة “ردع المضائق”

خاص – بيروت بوست

تشير تصريحات قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني إلى ما هو أبعد من مجرد رسالة إعلامية أو خطاب تعبوي موجّه إلى جمهور “محور المقاومة”. فالكلام عن “حزام أمني جديد للمقاومة من هرمز إلى باب المندب ومن مياه الخليج إلى البحر الأحمر” يحمل في طياته مؤشرات استراتيجية على محاولة إيرانية لإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي ومسرح المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في المنطقة.

أولاً: دلالات مفهوم “الحزام الأمني”

يعكس مصطلح “الحزام الأمني”، تصوراً عسكرياً واستراتيجياً يقوم على ربط عدة جبهات جغرافية ضمن منظومة عملياتية واحدة، ما يعني أن إيران تسعى إلى تقديم نفسها كقوة قادرة على التأثير في أهم الممرات البحرية العالمية الممتدة من مضيق هرمز شرقاً إلى مضيق باب المندب غرباً.

هذا الامتداد الجغرافي يضع تحت التأثير الإيراني المباشر أو غير المباشر مسارات حيوية للتجارة والطاقة العالمية، حيث يمر جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية عبر هذه الممرات البحرية. وبالتالي فإن الرسالة الأساسية هي أن أي مواجهة مع إيران أو حلفائها لن تبقى محصورة في جبهة واحدة، بل يمكن أن تمتد إلى شبكة واسعة من نقاط الضغط الاستراتيجية.

ثانياً: اليمن كنقطة ارتكاز متقدمة

الشق الثاني من التصريح، المتعلق بأن “التحرك من اليمن يدل على حكمة جبهة المقاومة”، يكشف أن طهران تنظر إلى الساحة اليمنية باعتبارها رأس الحربة في المرحلة الحالية.
فاليمن يمتلك موقعاً استثنائياً يسمح بالتأثير المباشر على حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وهو ما يمنح محور المقاومة قدرة على ممارسة ضغوط استراتيجية بكلفة أقل مقارنة بفتح مواجهات واسعة على جبهات أخرى.
فمن خلال الإشادة بالدور اليمني، تحاول القيادة الإيرانية إظهار أن العمليات التي تنطلق من تلك الساحة ليست تحركات منفردة، بل جزء من استراتيجية إقليمية متكاملة تتوزع فيها الأدوار بين مختلف أطراف المحور.

ثالثاً: التلويح بانضمام فصائل أخرى

العبارة الأخطر في التصريح تتمثل في القول إن “فصائل أخرى ستنضم إذا اقتضى الأمر”، في كلام يحمل ثلاثة أبعاد رئيسية:
– رسالة ردع لإسرائيل مفادها أن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى تعدد الجبهات وتوسيع نطاق الاشتباك.
– رسالة للولايات المتحدة بأن الضغوط العسكرية أو السياسية على إيران لن تواجه برد إيراني مباشر فقط، بل بردود موزعة عبر حلفاء وشركاء إقليميين.
– رسالة داخلية للمحور تهدف إلى التأكيد على استمرار التنسيق والقدرة على العمل الجماعي رغم الضربات والخسائر التي تعرض لها عدد من مكونات المحور خلال الأشهر الماضية.

رابعاً: هل نحن أمام عقيدة ردع جديدة؟

يمكن قراءة التصريح في إطار انتقال إيران من مفهوم “وحدة الساحات” الذي برز خلال السنوات الأخيرة إلى مفهوم أكثر اتساعاً يمكن وصفه بـ”وحدة الممرات الاستراتيجية”.
فبدلاً من التركيز على الجبهات البرية فقط، يبدو أن الأولوية باتت تتركز على التحكم بمسارات التجارة والطاقة والملاحة الدولية، بما يمنح طهران أوراق ضغط تتجاوز حدود الدول التقليدية.
بهذا المعنى، فإن مضيقي هرمز وباب المندب يتحولان إلى عنصرين أساسيين في معادلة الردع الإيرانية الجديدة، بحيث تصبح تكلفة أي مواجهة مع محور المقاومة مرتبطة بتداعيات اقتصادية عالمية وليس فقط بنتائج عسكرية ميدانية.

خامسا: تقدير موقف

تشير المعطيات إلى أن التصريح يعكس توجهاً إيرانياً نحو تثبيت معادلة ردع إقليمية قائمة على الترابط بين الساحات البحرية والبرية، مع إعطاء دور متقدم للجبهة اليمنية باعتبارها الأكثر قدرة على التأثير في المصالح الدولية. كما أن التلميح إلى إمكانية انضمام فصائل أخرى يوحي بأن طهران تريد إبقاء هامش التصعيد مفتوحاً دون الانتقال فوراً إلى مواجهة شاملة.

عليه، فإن الرسالة الاستراتيجية الأساسية ليست إعلان حرب وشيكة، بل إعلان امتلاك شبكة نفوذ ووسائل ضغط تمتد عبر أهم الممرات البحرية في الشرق الأوسط. أما الهدف الفعلي فهو رفع كلفة أي تحرك عسكري ضد إيران أو حلفائها، وإقناع الخصوم بأن أي صراع مستقبلي لن يكون محصوراً بجبهة واحدة، بل سيتحول إلى مواجهة إقليمية متعددة المسارات والساحات تمتد من الخليج العربي حتى البحر الأحمر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى