خاص – بيروت بوست
يعكس تصريح السفير ميشال عيسى من بكركي، بوضوح، انتقالًا في الخطاب الأميركي من موقع “الداعم للاستقرار” إلى موقع “الممهّد لتغيير قواعد الاشتباك السياسي” في لبنان. فهو ليس مجرد دفاع عن فكرة لقاء عون – نتانياهو، بل محاولة منهجية لتفكيك الاعتراضات المسبقة عليه، تمهيدًا لإدخاله في دائرة المقبول سياسيًا.
أولاً: الغطاء الداخلي: البطريرك كمدخل شرعنة
دعم البطريرك بشارة الراعي ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل جزء من:
– تأمين غطاء مسيحي ووطني لأي خطوة سياسية حساسة.
– ربط فكرة اللقاء بعنوان السلام بدل التطبيع.
– تقديمه كخيار أخلاقي وسيادي، لا كإملاء خارجي.
بمعنى آخر، واشنطن تدرك أن أي اختراق في هذا الملف يحتاج إلى شرعية داخلية متعددة الطوائف، لا قرارًا فوقيًا.
ثانياً: تفكيك ثنائية الحرب أو اللقاء
العبارة المفصلية في النص:
“المعادلة ليست بين لقاء عون ونتنياهو أو الحرب”
هذه الجملة تعكس جوهر المقاربة الأميركية:
– نزع الطابع الوجودي عن اللقاء.
– تقديمه كخيار من ضمن عدة خيارات، وليس كتحول جذري.
– تقليص كلفة القرار سياسيًا ونفسيًا.
لكن عمليًا، هذا الطرح يخفي حقيقة أن:
– اللقاء، إن حصل، سيكون تحولًا استراتيجيًا في موقع لبنان الإقليمي.
– سيؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز مجرد اجتماع عابر.
ثالثاً: “شو نتنياهو بعبع؟”: كسر المحظور السياسي
التعبير الشعبي المستخدم هنا ليس عفويًا، بل أداة سياسية تهدف إلى:
– تسخيف الرفض المبدئي لفكرة اللقاء.
– نقل النقاش من مستوى المبدأ إلى مستوى المصلحة.
– إعادة تعريف العدو من ثابت إلى متغير قابل للتفاوض.
وهذا يشير إلى محاولة واضحة لاعادة هندسة الوعي السياسي اللبناني تدريجيًا تجاه العلاقة مع إسرائيل.
رابعاً: إدارة التوازن الداخلي: بوابة نبيه بري
الإشارة إلى اللقاء مع بري، وربطها بعبارة “عنجر وعوكر”، تكشف أن:
– واشنطن لا تريد تجاوز القوى الأساسية، بل استيعابها أو تحييدها.
– هناك إدراك أن أي خطوة دون تفاهم داخلي ستفجّر الوضع.
في المقابل، نفي اتخاذ القرار في “عوكر” (السفارة الأميركية) يهدف إلى:
– نزع تهمة الوصاية.
– إعطاء الانطباع بأن القرار لبناني، رغم وضوح الدفع الخارجي.
خامساً: دور دونالد ترامب: مظلة إقليمية للقاء
طرح اللقاء بحضور ترامب يعني:
– إدخاله في إطار تسوية إقليمية أوسع، وليس مبادرة ثنائية.
– تقديم ضمانات سياسية وأمنية للبنان.
– ربطه بمسار إعادة ترتيب المنطقة (ما بعد التصعيد الإقليمي).
سادساً: التقدير الاستراتيجي
يمكن قراءة المشهد وفق السيناريوهات التالية:
1. سيناريو “الاختراق المضبوط”
– عقد لقاء محدود (رمزي أو تقني).
– تسويقه كجزء من ترتيبات أمنية (الحدود، التهدئة).
– احتواء الاعتراض الداخلي عبر غطاء سياسي وديني.
2. سيناريو “الرفض الداخلي”
– تصاعد موقف رافض تقوده قوى وازنة.
– تراجع أو تأجيل اللقاء.
– عودة الخطاب التصعيدي.
3. سيناريو “الربط بالتسوية الكبرى”
– إدخال لبنان ضمن صفقة إقليمية تشمل ملفات أوسع.
– يصبح اللقاء جزءًا من حزمة حلول لا يمكن فصلها.
سابعا: الخلاصة
يكشف التصريح أن واشنطن تعمل على نقل لبنان من موقع المواجهة غير المباشرة مع إسرائيل إلى موقع التفاوض السياسي المنظّم، عبر:
– شرعنة داخلية تدريجية
– تفكيك المحظورات النفسية والسياسية
– إدارة دقيقة للتوازنات المحلية
لكن العقبة الأساسية تبقى هنا: هل يستطيع النظام اللبناني تحمّل كلفة هذا التحول دون اهتزاز داخلي؟
الإجابة حتى الآن: البيئة السياسية لم تنضج بالكامل، لكن مسار التمهيد قد بدأ فعليًا.

