خاص – بيروت بوست
بمقاربة استراتيجية – عسكرية دقيقة، يمكن القول إن اتفاقي تشرين الثاني 2024 ونيسان 2026 ينتميان إلى مرحلتين مختلفتين تمامًا من الصراع: الأول كان اتفاق احتواء بعد حرب مفتوحة، بينما الثاني هو اتفاق إدارة نزاع تحت سقف اشتباك مستمر.
فيما يلي مقارنة تفصيلية على مستوى الطبيعة، البنية، الأهداف، والنتائج العسكرية.
أولاً: الطبيعة الاستراتيجية للاتفاقين
1) اتفاق 24/27 تشرين الثاني 2024
– الطبيعة: وقف أعمال عدائية شامل (Ceasefire Framework)
– السياق: نهاية حرب واسعة (غزو بري + ضربات جوية كثيفة)
– الهدف: تثبيت وضع أمني جديد جنوب لبنان
– المرجعية: القرار 1701 مع توسيع تطبيقه
– بمعنى أوضح: هو اتفاق إعادة ترتيب ميداني شامل (Reset).
2) اتفاق 16 نيسان 2026
– الطبيعة: وقف نار مرحلي/تقني (Operational Pause)
– السياق: استمرار الاشتباك منخفض – متوسط الوتيرة
– المدة: محدودة زمنياً (ورد أنها أولية وقابلة للتجديد)
– الهدف: خفض التصعيد وليس إنهاءه
– عملياً: هو إدارة اشتباك (Conflict Management) وليس حله.
ثانياً: البنية العسكرية للاتفاق”
اتفاق 2024 (بنية صلبة)
يتضمن عناصر عسكرية واضحة:
– وقف كامل للهجمات من الطرفين
– انسحاب إسرائيلي خلال 60 يومًا
– انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني (~10 آلاف جندي)
– انسحاب حزب الله شمال الليطاني
– حصرية السلاح بيد الدولة جنوباً
– آلية رقابة دولية (أميركية – فرنسية + اليونيفيل)
– هذا يعني: إعادة هندسة البيئة العملياتية بالكامل في الجنوب
اتفاق 2026 (بنية مرنة/هشة)
المعطيات المتوافرة تشير إلى:
– وقف نار مؤقت بزمن محدد
– غياب التزامات بنيوية (انسحاب/انتشار دائم)
– لا إعادة انتشار شاملة للقوى
– لا معالجة جذرية لمسألة السلاح
– النتيجة: تجميد مؤقت للنار دون تغيير قواعد الاشتباك الأساسية
ثالثاً: ميزان الردع
2024: إعادة تشكيل الردع
– حاولت إسرائيل فرض منطقة أمنية فعلية أو غير معلنة
– حزب الله قبل بانسحاب تكتيكي (شمال الليطاني)
– الجيش اللبناني أصبح عنصرًا أساسيًا في التوازن
– الردع هنا: مؤسساتي + دولي + ميداني
2026: ردع متبادل هش
– استمرار القدرة الصاروخية والمسيّرات
– بقاء قواعد الاشتباك الرمادية
– عودة الاغتيالات والضربات المحدودة (ضمنيًا)
– الردع هنا: تكتيكي مباشر بين الطرفين.
رابعاً: دور العامل الدولي
2024
– رعاية أميركية مباشرة (هوكشتاين)
-دعم فرنسي واضح
– غطاء أممي (1701 + اليونيفيل)
– محاولة إنتاج استقرار طويل الأمد
2026
– تدخل دولي بهدف “منع الانفجار” فقط
– غياب مشروع سياسي متكامل
– تركيز على خفض التوتر الإقليمي (خصوصاً مع إيران)
الفرق الجوهري:
– 2024 = هندسة نظام أمني
– 2026 = إطفاء حرائق
خامساً: قابلية الاستمرار
اتفاق 2024
– واجه خروقات كبيرة (خصوصًا من الجانب الإسرائيلي)
– لم يُنفذ بالكامل (خصوصًا الانسحاب)
– لكنه بقي مرجعية ميدانية أساسية
اتفاق 2026
– هش بطبيعته
– مرتبط بتطورات إقليمية (إيران – غزة – سوريا)
– قابل للانهيار السريع
سادساً: القراءة العسكرية العميقة
اتفاق 2024 = اتفاق ما بعد الحرب
يهدف إلى:
– ضبط الجغرافيا (جنوب الليطاني)
– تقليص قدرة حزب الله الهجومية قرب الحدود
– إدخال الدولة اللبنانية كلاعب أمني
– يشبه إلى حد كبير نسخة مطورة من 1701
اتفاق 2026 = اتفاق ما قبل جولة جديدة
يهدف إلى:
– كسب الوقت
– منع توسع الحرب
– إعادة تموضع القوى
– لا يغيّر ميزان القوى بل يؤجّل الانفجار
سابعا: خلاصة استراتيجية حاسمة
اتفاق 2024:
– اتفاق ترتيب ما بعد الحرب
– ثقيل بنيويًا
– حاول فرض واقع أمني جديد
اتفاق 2026:
– اتفاق إدارة أزمة
– خفيف ومؤقت
– لا يمس جوهر الصراع
التقدير المستقبلي
إذا استمر المسار الحالي:
– اتفاق 2026 مرشح أن يكون مرحلة انتقالية نحو أحد سيناريوهين:
– تثبيت هدنة طويلة (احتمال ضعيف)
– عودة إلى تصعيد واسع (الاحتمال الأرجح)
لأن:
أي اتفاق لا يعالج السلاح، الحدود، وقواعد الاشتباك هو مجرد هدنة مؤقتة.
ولكن إذا أردنا الإجابة بوضوح بعيدًا عن العواطف: اي من الاتفاقين هو الأفضل للبنان؟
أولاً: من حيث وقف الحرب وحماية المدنيين
الأفضل: اتفاق 24 تشرين الثاني 2024
– أوقف حربًا واسعة ومدمرة
– خفّض مستوى الدمار في الجنوب
– أتاح عودة تدريجية للمدنيين
– أدخل الجيش اللبناني كقوة انتشار
– من زاوية حماية البلد من الانهيار الشامل:
هذا الاتفاق كان أفضل بوضوح
ثانياً: من حيث السيادة اللبنانية
نتيجة مختلطة (تميل ضد 2024)
اتفاق 2024:
– فرض قيودًا على انتشار حزب الله جنوب الليطاني
– أعطى دورًا كبيرًا لرقابة دولية (أميركية – فرنسية)
– كرّس نوعًا من الإشراف الخارجي
اتفاق 2026:
– لا يتضمن قيودًا بنيوية واضحة
– لا يفرض ترتيبات أمنية عميقة
– يترك القرار الميداني داخليًا أكثر
– من زاوية السيادة النظرية: اتفاق 2026 أقل تقييدًا للبنان
ثالثاً: من حيث الاستقرار طويل الأمد
الأفضل: اتفاق 2024
– وضع إطارًا (حتى لو لم يُطبّق بالكامل)
– حاول تثبيت قواعد اشتباك واضحة
– أعاد إحياء منطق القرار 1701
بينما اتفاق 2026
– لا يبني استقرارًا
– مجرد استراحة قتال
– قابل للانفجار بأي لحظة
– استراتيجياً: 2024 يخدم الاستقرار — 2026 يؤجّل الانفجار
رابعاً: من حيث الواقعية السياسية
الأفضل مرحليًا: اتفاق 2026
لماذا؟
– لأنه يعكس ميزان القوى الحقيقي الحالي
– لا يفرض شروطًا غير قابلة للتطبيق
– يتجنب صدامًا داخليًا حول السلاح
– بمعنى صريح: 2024 كان طموحًا أكثر من اللازم، و2026 أكثر واقعية لكن أضعف
خامساً: التقييم العسكري البحت
اتفاق 2024:
– خفّض التهديد المباشر على الحدود
– لم ينهِ قدرات حزب الله
– تعرّض لخروقات إسرائيلية
اتفاق 2026:
– أبقى التهديد قائمًا من الطرفين
– حافظ على توازن رعب غير مستقر
– عسكريًا: 2024 أكثر أمانًا – 2026 أكثر خطورة
سادسا: الخلاصة الحاسمة
إذا كان السؤال: أي اتفاق حمى لبنان أكثر؟ → 2024
إذا كان السؤال:أي اتفاق حافظ على هامش القرار الداخلي؟” → 2026
لكن بالحساب الاستراتيجي الشامل:
– اتفاق 2024 كان أفضل للبنان كدولة
– أما اتفاق 2026 فهو أفضل كحل مؤقت لنظام سياسي مأزوم.
فاتفاق 2024 أنقذ لبنان من حرب …. واتفاق 2026 فقط أخّر الحرب القادمة.




