خاص – بيروت بوست
مثلت كلمة رئيس الحكومة، نواف سلام، أمس، محطة سياسية لافتة تتجاوز إدانة التصعيد الإسرائيلي، لتشكل في جوهرها محاولة لإعادة بناء إجماع وطني حول مفهوم الدولة ودورها في إدارة الصراع، رغم ان اهميتها لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها السياسي وعلاقتها بالتطور الأبرز داخل السلطة اللبنانية، والمتمثل في التحول التدريجي في العلاقة بين سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري.
أولاً: خطاب يتقاطع مع أدبيات بري
طوال الأشهر الماضية، ساد انطباع بأن الرئيس سلام يمثل مشروع الدولة السيادية والإصلاحية المدعوم غربياً وعربياً، فيما يمثل الرئيس بري أحد أركان المنظومة التقليدية وحلقة الوصل الأساسية مع “الثنائي الشيعي”.
لكن الكلمة الأخيرة أظهرت تقاطعاً سياسياً واضحاً بين الرجلين في عدة نقاط:
– أولوية وقف إطلاق النار قبل أي نقاش آخر.
– التركيز على الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
– الدفاع عن الجنوب وأهله ورفض التهجير.
– التمسك بالمفاوضات كخيار وحيد لتجنب الانهيار الشامل.
– إعطاء الدولة اللبنانية موقع المرجعية الحصرية في التفاوض.
عناوين لطالما شكلت جوهر مقاربة بري للأزمة الجنوبية، ما يوحي بأن رئيس الحكومة بات أقرب إلى الواقعية السياسية التي يتبناها رئيس المجلس، بعيداً عن المقاربات الصدامية أو الإقصائية.
ثانياً: تفاهم الضرورة لا تفاهم التحالف
من الخطأ اعتبار ما يجري تحالفاً سياسياً بين سلام وبري، لكنه بالتأكيد يمثل “تفاهم ضرورة”.
فالرجلان يدركان أن المرحلة الحالية تفرض تعاوناً متبادلاً:
– سلام يحتاج إلى غطاء سياسي ونيابي لتثبيت حكومته وتمرير مشاريعها.
– بري يحتاج إلى شريك حكومي قادر على التواصل مع واشنطن والعواصم الغربية والعربية في مرحلة إعادة رسم التوازنات الإقليمية.
بمعنى آخر، نشأت بينهما معادلة جديدة: بري يوفر الشرعية الداخلية، وسلام يؤمن الشرعية الخارجية.
ثالثاً: رسالة مزدوجة إلى حزب الله
تحمل الكلمة أيضاً رسالة مركبة إلى “حزب الله”.
من جهة، رفض سلام الرواية الإسرائيلية بالكامل، وتحدث بلغة تضامنية مع الجنوب غير مسبوقة من رئيس حكومة محسوب على الخط السيادي.
من جهة أخرى، شدد بوضوح على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وأن لبنان لا يجب أن يتحول مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
هذه الصيغة تكاد تكون مطابقة للمقاربة التي يعتمدها بري منذ سنوات، والقائمة على حماية المقاومة سياسياً من جهة، والسعي إلى احتواء تداعيات المواجهة ومنع الانزلاق إلى حرب مفتوحة من جهة ثانية.
رابعاً: هل أصبح بري شريكاً في مشروع سلام؟
تشير المعطيات السياسية إلى أن بري يقرأ التحولات الإقليمية بدقة. فهو يدرك أن المنطقة تتجه نحو ترتيبات جديدة مرتبطة بالتفاهمات الأميركية – الإيرانية، وأن لبنان سيكون مطالباً بإعادة إنتاج سلطته ومؤسساته على أسس مختلفة.
من هنا يبدو أن رئيس المجلس وجد في سلام شخصية يمكن التفاهم معها أكثر مما كان متوقعاً عند تشكيل الحكومة.
فالخلاف السابق بين الرجلين كان قائماً على انعدام الثقة وتباين الرؤى، أما اليوم فإن الحرب فرضت عليهما لغة مشتركة عنوانها:
– حماية الاستقرار الداخلي.
– منع الانهيار الشامل.
– الحفاظ على دور الدولة.
– تجنب صدام داخلي حول ملف السلاح في ظل الحرب.
خامساً: ماذا تعني عبارة “الجيش الواحد والقرار الواحد”؟
في ختام الكلمة، استخدم سلام تعبيراً شديد الدلالة عندما تحدث عن “الدولة الواحدة والقرار الواحد والجيش الواحد”.
عبارة ليست موجهة فقط إلى الداخل اللبناني، بل أيضاً إلى الخارج، وخصوصاً الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية.
لكن اللافت أنها جاءت من دون أي لغة تصعيدية تجاه “حزب الله”، ما يعكس وجود تفاهم ضمني على إدارة هذا الملف بالتدرج والحوار، لا بالمواجهة المباشرة.
وهنا تحديداً يظهر أثر التنسيق غير المعلن مع بري، الذي يدرك أن أي محاولة لفرض معادلات جديدة بالقوة قد تؤدي إلى انفجار داخلي لا يريده أحد.
سادسا: تقدير الموقف
يمكن القول إن كلمة الرئيس سلام كشفت عن ولادة مرحلة جديدة في العلاقة مع نبيه بري عنوانها “الشراكة الوظيفية” لا “التحالف السياسي”.
فالطرفان لا ينتميان إلى المشروع السياسي نفسه، لكنهما يلتقيان اليوم عند هدف مشترك يتمثل في إدارة المرحلة الانتقالية التي يعيشها لبنان وسط الحرب والتحولات الإقليمية.
فإذا استمر هذا التقارب، فقد يتحول إلى أحد أعمدة التسوية اللبنانية المقبلة، خصوصاً أن الرئيس بري يمتلك مفاتيح الداخل الشيعي والنيابي، فيما يمتلك سلام مفاتيح التواصل مع المجتمعين العربي والدولي.
أما الاختبار الحقيقي لهذه العلاقة فسيبدأ بعد توقف الحرب، عندما ينتقل النقاش من وقف إطلاق النار إلى الملفات الأكثر حساسية: مستقبل السلاح، تطبيق القرار 1701، إعادة الإعمار، وشكل التسوية الإقليمية الجديدة. عندها سيتبين ما إذا كان التفاهم بين الرجلين ظرفياً فرضته الحرب، أم أنه يشكل نواة لتفاهم سياسي أوسع قد يرسم ملامح المرحلة اللبنانية المقبلة.



