خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في تصريح رئيس الجمهورية

خاص – بيروت بوست

شكّل تصريح رئيس الجمهورية ردًا سياسيًا مباشرًا على رسالة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم بتاريخ 26/4/2026، ما وضعنا أمام صدام سرديّتين متكاملتين ومتناقضتين في آنٍ معًا: سردية “الدولة – إنهاء الحرب” مقابل سردية “المقاومة – إدارة الصراع المفتوح”.


أولاً: إعادة تعريف نقطة الانطلاق

يحاول عونسحب البساط من خطاب الحزب عبر تثبيت معادلة مختلفة:
– وقف إطلاق النار أولًا → ثم التفاوض بينما خطاب حزب الله يقوم على:
– تحقيق الشروط (الخمسة) أولًا → ثم أي مسار سياسي
هذا التباين ليس تقنيًا، بل جوهري:
– الدولة تتعامل مع الواقع القائم (وقف هش يحتاج تثبيت)
– الحزب يتعامل مع هدف نهائي (إجبار إسرائيل على التراجع)
بالتالي، يطرح عون مقاربة تدريجية (Step-by-step)، مقابل مقاربة حدّية (All-or-nothing) لدى الحزب.

ثانياً: معركة الشرعية – من يمثل القرار؟

أخطر ما في التصريح هو هذه العبارة الضمنية:
“هذا هو الموقف الرسمي… وأي كلام آخر غير معنيين به”، وهي جملة في الشكل سيادية بامتياز، تعني عمليًا:
– حصر التمثيل الخارجي بالدولة
– نزع صفة “الشريك” عن أي طرف داخلي في القرار السيادي
وهي رد مباشر على خطاب الشيخ نعيم قاسم الذي نفى شرعية المفاوضات واعتبرها “كأنها غير موجودة”
نحن هنا أمام صراع على من يملك تعريف “لبنان الرسمي”:
– الدولة: الشرعية الدستورية
– الحزب: شرعية القوة والتمثيل الشعبي المقاوم

ثالثاً: قلب معادلة التخوين

يقوم عون بمناورة ذكية عبر قلب الاتهام:
– الحزب: يتهم السلطة بالاستسلام
– عون: يتهم خصومه بأنهم ذهبوا إلى الحرب دون إجماع
هذه النقطة تضرب أحد أهم مرتكزات خطاب حزب الله: “نحن نمثل خيارًا وطنيًا جامعًا”، حيث يقول عون عمليًا: كما لم تستأذنوا اللبنانيين في الحرب، لا يحق لكم تعطيل قرار التفاوض بحجة غياب الإجماع
وهذا يعيد تعريف “الإجماع” من شرط مسبق إلى نتيجة تُحكم لاحقًا.

رابعاً: تفكيك البعد الإقليمي للحرب

أخطر فقرة سياسيًا هي: “حروب إسناد غزة وإيران”
هنا ينتقل عون من الدفاع إلى الهجوم الاستراتيجي:
– يفصل بين مصلحة لبنان وأجندة المحور الإقليمي
– يضع سلاح حزب الله في سياق غير لبناني
وهذا يتقاطع مباشرة مع ما أشار إليه قاسم حول دور إيران، لكن بعكس الاتجاه:
– قاسم: يشكر إيران ويثبت دورها
– عون: يلمّح أن هذا الدور هو سبب الأزمة
هذه نقطة مفصلية لأنها تعيد طرح السؤال القديم الجديد: هل لبنان ساحة أم دولة؟

خامساً: التفاوض كأداة نزع فتيل

لا يطرح عون التفاوض كحل نهائي، بل كأداة:
لوقف الحرب، ولتخفيف الكلفة عن الجنوب
وهنا يستخدم عنصرًا حساسًا: “إلى متى سيدفع أبناء الجنوب الثمن؟”.
وهذه محاولة واضحة لاختراق البيئة الحاضنة للمقاومة، ونقل النقاش من “كرامة وسيادة” إلى “كلفة ومعيشة”، أي تحويل الصراع من قضية وجودية إلى قضية مصلحة يومية.

سادساً: استحضار اتفاقية الهدنة

الإشارة إلى “اتفاقية الهدنة” ليست عفوية، بل مدروسة:
– تعني العودة إلى نموذج 1949 (وقف حرب دون سلام)
– تقديم سابقة تاريخية لنزع تهمة الاستسلام
بذلك، يحاول عون بناء صيغة وسط: لا تطبيع كامل،
ولا حرب مفتوحة.  هي عمليًا صيغة إدارة نزاع طويلة الأمد.

سابعاً: أين يلتقي الخطابان رغم التصادم؟

رغم التناقض الحاد، هناك نقطة تقاطع غير مباشرة:
– قاسم: يرفض التنازل المجاني
– عون: يرفض اتفاق الذل
كلاهما يحاول الظهور بمظهر: الذي يحمي الكرامة الوطنية
لكن الاختلاف في الوسيلة:
– الحزب: القوة العسكرية
– الدولة: المسار الدبلوماسي

ثامناً: تقدير الموقف: إلى أين؟

في ضوء الخطابين، لبنان أمام ثلاث معادلات متزامنة:
1. ازدواجية القرار
لا يوجد قرار واحد بالحرب والسلم:
– الدولة تفاوض
– الحزب يهدد بالاستمرار في القتال
وهذا يجعل أي اتفاق: قابلًا للانهيار عند أول اختبار ميداني
2. سباق على الوقت
– عون يحتاج إنجازًا سريعًا يثبت جدوى التفاوض
– الحزب يحتاج منع هذا الإنجاز لإفشال المسار
3. خطر الانقسام الداخلي
الخطابان يرفعان السقف إلى مستوى:
– تخوين مقابل تخوين مضاد
– شرعية مقابل شرعية مضادة
ما يفتح الباب أمام: شلل سياسي عميق أو توتر داخلي متصاعد

تاسعا: الخلاصة

تصريح رئيس الجمهورية هو محاولة واضحة لنقل لبنان من منطق “ساحات المحاور” إلى منطق “الدولة المفاوضة”، بينما رسالة الشيخ نعيم قاسم هي إعلان أن هذا الانتقال لم يحصل بعد ولن يُسمح به بسهولة.
النتيجة: لبنان يدخل مرحلة تفاوض خارجي على وقع صراع داخلي على هوية القرار، حيث لن يكون السؤال فقط: هل تنجح المفاوضات؟ بل الأهم: من يملك حق تقرير مصيرها؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى