خاص – بيروت بوست
ما اعلنه بيك المختارة من مواقف، خلال الساعات الماضية، تخطى مجرد كونه موقف إعلامي، ليعكس مقاربة سياسية – تفاوضية متكاملة تقوم على إدارة التدرّج في التطبيع وليس القفز إليه، ما اكسبها أهمية استثنائية في ظل الحديث عن مفاوضات مباشرة واحتمال لقاء على مستوى القمة بين لبنان وإسرائيل.
أولًا: قاعدة “اللقاءات في خاتمة التفاوض”
يضع جنبلاط خطًا أحمر مبكرًا: أي لقاء سياسي مباشر (خصوصًا على مستوى رئيس الدولة) يجب أن يكون نتيجة، لا بداية.
يرتكز هذا المبدأ على ثلاث اعتبارات:
– تجنّب إعطاء إسرائيل مكسبًا مجانيًا (صورة اللقاء) قبل تحقيق انسحاب أو ضمانات.
– حماية الشرعية الداخلية، لأن أي لقاء مبكر قد يُفسَّر كتنازل سياسي.
– فرض منطق التفاوض غير المتكافئ: لبنان يحتاج أوراق قوة قبل الانتقال إلى الرمزية السياسية.
بمعنى آخر: لقاء رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، إن حصل مبكرًا، قد يتحول من إنجاز إلى عبء سياسي داخلي وانقسام وطني.
ثانيًا: الدعوة إلى “جدول أعمال واضح”
يلمح جنبلاط إلى نقطة حساسة:
لبنان تاريخيًا يدخل المفاوضات من دون إطار واضح، بينما تدخل إسرائيل بأهداف محددة.
التحليل هنا:
– إسرائيل تفاوض عادة على الأمن أولًا (الحدود، السلاح، المنطقة العازلة).
– لبنان يجب أن يفاوض على السيادة أولًا (الانسحاب، وقف الانتهاكات، ترسيم نهائي).
غياب جدول أعمال واضح يعني:
انتقال التفاوض من “تحصيل حقوق” إلى “إدارة أزمة”.
ثالثًا: الضمانات الدولية: اعتراف ضمني بخلل ميزان القوى
تعكس إشارته إلى دور الولايات المتحدة وضرورة إشراك فرنسا ودول أخرى إدراكًا بأن:
– الوسيط الأميركي ليس محايدًا بالكامل.
– توسيع الرعاية الدولية يخلق توازنًا سياسيًا في التفاوض.
لكن عمليًا:
– واشنطن تميل إلى مقاربة أمن إسرائيل أولًا.
– إدخال أوروبا قد يخفف هذا الانحياز، لكنه لا يلغيه.
رابعًا: العقدة المركزية: تمثيل حزب الله
أخطر ما في كلام جنبلاط هو سؤاله:
هل تستطيع الدولة التفاوض باسم حزب الله؟
هذه هي العقدة البنيوية لأي مفاوضات:
– إذا فاوضت الدولة من دون غطاء حزب الله:
– الاتفاق يصبح غير قابل للتطبيق ميدانيًا.
وإذا فاوضت باسمه: تدخل في مقايضة كبرى: السلاح مقابل مكاسب سياسية/أمنية.
هنا يلمّح البيك إلى حل وسط:
استيعاب تدريجي داخل الدولة بدل نزع فوري للسلاح.
وهذا طرح واقعي لكنه طويل ومعقّد، ويتطلب:
– ضمانات خارجية
– إعادة صياغة العقيدة الدفاعية
– توافق داخلي عميق (غير متوفر حتى الآن)
خامسًا: التحذير من الانقسام الداخلي
رفضه “عزل الطائفة الشيعية” يعكس خشية من:
– تحويل التفاوض إلى صراع داخلي لبناني بدل كونه تفاوضًا مع إسرائيل.
– أو استخدام إسرائيل للانقسام كأداة ضغط.
وهذا يتقاطع مع استراتيجية إسرائيل التقليدية:
تفكيك الجبهة الداخلية قبل فرض الشروط التفاوضية.
سادسًا: الربط الإقليمي: إيران والفخ الكبير
يربط جنبلاط بين: المواجهة مع إيران، والتداعيات على الدول العربية
تحليليًا، هو يشير إلى سيناريو:
– تحويل لبنان إلى ساحة تصفية حسابات
– ما يضعف موقعه التفاوضي مع إسرائيل
بعبارة أوضح: كلما تصاعد الصراع الإيراني – الإسرائيلي، تراجعت قدرة لبنان على التفاوض كدولة مستقلة.
سابعًا: ماذا يعني ذلك لاحتمال لقاء رئاسي لبناني–إسرائيلي؟
1. التوقيت غير ناضج
وفق منطق جنبلاط، لا لقاء قبل، وقف كامل للنار، وتقدم ملموس (انسحاب/ترسيم/ضمانات)
2. المخاطر عالية
لقاء مبكر قد يؤدي إلى: شرخ داخلي حاد، فقدان أوراق تفاوضية، تصوير لبنان كأنه يقدّم تنازلات.
3. السيناريو الأكثر واقعية
– استمرار المفاوضات غير المباشرة أو التقنية
– تشكيل وفد مختلط (عسكري–مدني)
– تأجيل أي لقاء سياسي إلى المرحلة النهائية
ثامنا: التقدير الاستراتيجي النهائي
يعكس طرح جنبلاط واقعية حذرة تقوم على ثلاث ركائز:
– التدرّج في التفاوض وليس القفز إلى التطبيع
– ربط أي اختراق سياسي بإنجازات ميدانية ملموسة
– منع تفكك الداخل اللبناني أثناء التفاوض
لكن في المقابل، هناك معضلة أساسية: لبنان لا يملك حتى الآن وحدة قرار تفاوضي، وهذا أخطر من أي ضغط خارجي.
تاسعا: الخلاصة
إذا ذهبت الدولة اللبنانية إلى مفاوضات مباشرة دون:
إجماع داخلي، جدول أعمال واضح، وضمانات متعددة الأطراف، فإن أي لقاء على مستوى القمة قد يتحول من إنجاز دبلوماسي إلى مأزق استراتيجي طويل الأمد.



