خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في رسائل زيارة نتنياهو إلى جنوب لبنان

خاص – بيروت بوست

أولاً: الإطار العام للمشهد

يعكس النص تزامناً واضحاً بين التصعيد الميداني والتصعيد السياسي – الإعلامي من قبل رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته. هذا التوازي ليس عفوياً، بل يندرج ضمن نمط كلاسيكي في إدارة الحروب غير الحاسمة: عندما يتعذر تحقيق إنجاز ميداني حاسم، يتم تعويضه بتكثيف الخطاب السياسي وصناعة صورة “إنجاز”.
وتمثل زيارة نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس إلى جنوب لبنان، برفقة قيادة عسكرية رفيعة، خطوة ذات طابع رمزي – عملياتي مزدوج:
– رمزياً: تثبيت صورة القيادة في “قلب المعركة”
– عملياتياً: توجيه رسائل ردع وإعادة ضبط السردية

ثانياً: الأهداف الحقيقية للزيارة

1. إعادة ترميم الردع المتآكل
تسعى إسرائيل لإقناع جمهورها أولاً، وخصومها ثانياً، بأنها استعادت زمام المبادرة. لكن النص يكشف تناقضاً واضحاً:
– الحديث عن “إنجازات كبيرة”
– الإقرار باستمرار تهديد الصواريخ
ويعكس هذا التناقض أزمة ردع حقيقية، خصوصاً في مواجهة نموذج حرب العصابات الذي يعتمده حزب الله.
2. فرض واقع “الحزام الأمني”
إشارة نتنياهو إلى “منطقة أمنية” داخل الأراضي اللبنانية تعني عملياً:
– محاولة إعادة إنتاج نموذج ما قبل عام 2000
– نقل خط الدفاع إلى داخل لبنان بدل الحدود الدولية
لكن هذا الطرح يحمل مخاطر استراتيجية:
– استنزاف طويل الأمد
– تحويل المنطقة إلى ساحة اشتباك دائم
– إعطاء حزب الله شرعية ميدانية لتكثيف العمليات
3. ربط عودة المستوطنين بشروط استراتيجية
تصريح كاتس حول عدم عودة سكان شمال إسرائيل قبل ضمان الأمن، يهدف إلى:
– رفع سقف التفاوض
– تبرير استمرار العمليات العسكرية
– كسب وقت إضافي
لكنه في المقابل:
– يعكس فشلاً في تحقيق هدف أساسي للحرب (إعادة السكان)
– يضع الحكومة تحت ضغط داخلي متزايد

ثالثاً: البعد الإعلامي: “حرب السرديات”

يسلط النص الضوء على دور الإعلام، خاصة عبر ما نقلته هآرتس، في كشف الخلفية الحقيقية للتحرك:
– الفيديو المصوّر ليس نقلة ميدانية، بل منتج دعائي
– الهدف: إعادة تسويق الحرب داخلياً
– المشكلة: الجمهور الإسرائيلي لم يعد يتفاعل مع الخطاب التقليدي
هذا يشير إلى انتقال المعركة من الميدان إلى: معركة على الوعي والثقة داخل المجتمع الإسرائيلي.

رابعاً: التناقضات الاستراتيجية في الخطاب الإسرائيلي

يكشف كلامه ثلاث تناقضات جوهرية:
1. هدف نزع سلاح حزب الله vs الواقع الميداني
رغم الإعلان عن تدمير 150 ألف صاروخ، يتم الإقرار ببقاء قدرات صاروخية. هذا يعني: إما تضخيم الأرقام، أو فشل في تحقيق الهدف
2. الضغط الأميركي vs الاستمرار في التصعيد
تتحدث إسرائيل عن ضغوط لوقف إطلاق النار، لكنها:
ترفع سقف العمليات وتوسّع أهدافها (استهداف قيادات)، وهذا يعكس توتراً بين: الحسابات العسكرية
والقيود السياسية الدولية.
3. الإنجازات المعلنة vs أزمة الثقة الداخلية
كلما زاد الخطاب عن “النجاحات”، زادت التقارير عن:
تراجع ثقة الجمهور، وإحباط القيادة، وفي ذلك مؤشر واضح على أزمة قيادة، وليس فقط أزمة ميدان.

خامساً: دلالات استهداف القيادة

الإشارة إلى استهداف الأمين العام نعيم قاسم تحمل أبعاداً خطيرة:
– تصعيد نوعي في قواعد الاشتباك
– محاولة لإحداث صدمة استراتيجية
لكنها قد تؤدي إلى: توسيع الحرب، وردود غير متوقعة.

سادساً: تقدير الموقف
1. المدى القصير (أسابيع)
– استمرار العمليات داخل “المنطقة الأمنية”
– تصعيد إعلامي مكثف
– غياب اختراق حاسم
2. المدى المتوسط (أشهر)
– تزايد الضغوط الأميركية لوقف النار
– احتمال الانتقال إلى تسوية جزئية (هدنة غير معلنة)
– بقاء حزب الله كقوة فاعلة
3. المدى الاستراتيجي
إسرائيل تواجه معضلة ثلاثية:
– لا تستطيع الحسم العسكري
– لا تستطيع الانسحاب دون ثمن
– لا تستطيع تحمّل حرب استنزاف طويلة

سابعا: الخلاصة
الزيارة ليست مؤشراً على قوة بقدر ما هي دليل على أزمة مركّبة:
– أزمة ثقة داخلية
– أزمة ردع ميدانية
– أزمة استراتيجية في تحديد الهدف النهائي للحرب
بشكل أوضح، ما نشهده هو انتقال إسرائيل من مرحلة “تحقيق الأهداف” إلى مرحلة إدارة الفشل وتقليل الخسائر، مع محاولة إبقاء صورة السيطرة قائمة إعلامياً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى