خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في بيان الخارجية الاميركية بعد اللقاء اللبناني – الاسرائيلي

خاص – بيروت بوست

شكّل الإعلان الأميركي عن إطلاق مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل تحوّلاً نوعياً في طبيعة إدارة النزاع، إذ ينقل الملف من مستوى “الوساطات غير المباشرة” و”قواعد الاشتباك” إلى مستوى سياسي – استراتيجي مفتوح على سيناريوهات أوسع، قد تصل إلى إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين.

أولاً: دلالات التوقيت: لماذا الآن؟

لا يمكن فصل هذا الإعلان عن ثلاثة سياقات متزامنة:
– استنزاف ميداني متبادل: أظهرت الحرب منذ آذار حدود القدرة على الحسم لدى الطرفين، ما يدفع نحو البحث عن مخرج سياسي.
– ضغط أميركي لإعادة ترتيب الجبهة الشمالية: تسعى واشنطن إلى تثبيت استقرار طويل الأمد يخدم أمن إسرائيل ويمنع توسّع المواجهة إقليمياً.
– ترابط المسارات الإقليمية: أي تقدّم أو تعثّر في المفاوضات الأميركية – الإيرانية ينعكس مباشرة على الساحة اللبنانية.

ثانياً: الموقف الأميركي: ربط الأمن بالسيادة
واضح ان الموقف الأميركي في النص ليس حيادياً، بل يحمل ثلاثة مرتكزات واضحة:
– نقل التفاوض إلى مستوى الدول: أي إقصاء عملي لأي دور موازٍ، وتحديداً “حزب الله”، عبر التأكيد أن الاتفاق يجب أن يكون “بين الحكومتين”.
– ربط الدعم الاقتصادي بالتحولات الأمنية: المساعدات وإعادة الإعمار مشروطة عملياً باستعادة الدولة اللبنانية لاحتكار السلاح.
– إدراج لبنان ضمن هندسة إقليمية أوسع: التلميح إلى تجاوز اتفاق 2024 نحو “سلام شامل” يضع لبنان ضمن مسار مشابه لاتفاقات التطبيع.
عملياً، واشنطن تطرح معادلة واضحة:
سيادة كاملة للدولة = دعم اقتصادي + استقرار أمني + انفتاح دولي.

ثالثاً: الموقف الإسرائيلي: من الردع إلى إعادة تشكيل البيئة اللبنانية

لا تتحدث إسرائيل في هذا النص فقط عن أمن حدودي، بل عن:
– تفكيك البنية العسكرية لحزب الله
– إعادة تعريف الجنوب اللبناني كحيّز خالٍ من التهديد
– الانتقال من إدارة الصراع إلى إنهائه بشروطها
وهذا يعني أن إسرائيل ترى في هذه المفاوضات فرصة استراتيجية لتحقيق ما عجزت عنه عسكرياً:
نزع التهديد عبر المسار السياسي بدل الحسم العسكري.

رابعاً: الموقف اللبناني: محاولة كسب الوقت وتثبيت الأولويات

بدا الطرح اللبناني دفاعياً ومتدرجاً، ويرتكز على:
– أولوية وقف إطلاق النار
– التمسك بالسيادة ووحدة الأراضي
– التركيز على الأزمة الإنسانية
هذا يعكس مقاربة لبنانية قائمة على:
– تأجيل الملفات الخلافية الكبرى (السلاح، التطبيع)
– التركيز على تثبيت التهدئة أولاً
– تجنب الانخراط المباشر في شروط سياسية حساسة داخلياً.

خامساً: التحول الاستراتيجي: من “نزاع حدودي إلى “مفاوضات سياسية شاملة”

أخطر ما في هذا التطور هو أن:
– المفاوضات لم تعد تقنية (ترسيم/هدنة)، بل سياسية (أمن، سيادة، وربما سلام)
وهذا يفتح الباب أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: “اتفاق أمني موسّع” (الأرجح مرحلياً)
– وقف إطلاق نار دائم
– ترتيبات أمنية مشددة جنوباً
– تعزيز دور الجيش اللبناني
– بقاء سلاح حزب الله مع تقليص فعاليته الميدانية
هذا السيناريو يحقق توازناً مؤقتاً دون تفجير الداخل اللبناني.
السيناريو الثاني: “صفقة كبرى تدريجية”
– ربط الأمن بالإصلاحات السياسية
– إدماج لبنان في مشاريع اقتصادية إقليمية
– خطوات تطبيعية غير مباشرة
هذا السيناريو يحتاج توافقاً إقليمياً، خصوصاً مع إيران.
السيناريو الثالث: “انفجار المسار”
– فشل المفاوضات بسبب ملف السلاح
– عودة التصعيد العسكري
– استخدام المفاوضات كغطاء لإعادة التموضع الميداني
هذا احتمال قائم إذا تم الضغط سريعاً على ملفات حساسة.

سادساً: العقدة المركزية: سلاح حزب الله

كل المسار التفاوضي يدور فعلياً حول هذه النقطة:
– واشنطن وإسرائيل: نزع السلاح شرط للاستقرار
– الدولة اللبنانية: ملف داخلي لا يُحل تحت الضغط
– حزب الله: يربط سلاحه بالصراع الإقليمي لا اللبناني فقط
لذلك، أي تقدم في التفاوض سيبقى محدوداً ما لم يُحل هذا التناقض البنيوي.

سابعاً: التقدير النهائي
ما جرى ليس مجرد إعلان تفاوضي، بل بداية اختبار لإعادة صياغة وظيفة لبنان في الإقليم. فهل يبقى ساحة صراع، أم يتحول إلى دولة ضمن نظام إقليمي جديد؟
الواقعية تفرض الاستنتاج التالي:
– المدى القصير: تقدم تقني في التهدئة
– المدى المتوسط: مفاوضات شاقة حول الأمن
– المدى البعيد: مرتبط بالكامل بالتفاهم الأميركي – الإيراني

ثامنا: الخلاصة
هذا المسار ليس “سلاماً قريباً، بل:
– محاولة أميركية لفرض معادلة جديدة
– فرصة إسرائيلية لتحقيق أهداف استراتيجية دون حرب
– اختبار لبناني صعب بين السيادة والاستقرار الداخلي
اما العامل الحاسم يبقى خارجياً بقدر ما هو داخلياً:
في طهران وواشنطن، لا فقط في بيروت وتل أبيب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى