ما علاقة اسرائيل بانسحاب الامارات من “اوبيك”؟

خاص – بيروت بوست
لا يمكن قراءة انسحاب الإمارات من منظمة أوبك، والتقارب الأمني – التكنولوجي المتسارع مع إسرائيل والولايات المتحدة، كخطوات منفصلة أو ظرفية، بل كجزء من إعادة تموضع استراتيجية شاملة تعيد من خلالها أبوظبي تعريف دورها في النظامين الإقليمي والدولي. فالدولة الخليجية التي بنت قوتها لعقود على النفط والتجارة والخدمات المالية، تسعى اليوم للانتقال إلى مرحلة “ما بعد النفط”، حيث تصبح الطاقة التقليدية مجرد مصدر تمويل لتحول أكبر نحو الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا السيادية.
ضمن هذا السياق، يبدو الانسحاب من أوبك أكثر من مجرد اعتراض على سياسات الإنتاج السعودية. فالإمارات، التي استثمرت مئات المليارات في توسيع قدراتها النفطية، كانت ترى أن سقوف الإنتاج المفروضة داخل المنظمة تحدّ من قدرتها على تعظيم العائدات واستثمار طاقتها الكاملة. ومع تصاعد المنافسة العالمية على أسواق الطاقة، باتت أبوظبي تعتبر أن استمرارها ضمن نظام الحصص التقليدي يقيّد مشروعها الاقتصادي الجديد، خصوصًا أن كل برميل غير مُنتج يعني خسارة مباشرة لتمويل مشاريع التحول التكنولوجي العملاقة.
لكن البعد الأهم يتجاوز النفط نفسه. الإمارات تدرك أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها السيطرة على البيانات، والحوسبة المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، أكثر أهمية من السيطرة على حقول النفط. لهذا السبب، ضخت استثمارات هائلة في شركات التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية، وسعت إلى التحول إلى مركز عالمي للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط.
هنا تبرز أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة. فاستثمار مايكروسوفت في “G42″، إلى جانب إنشاء صناديق استثمارية عملاقة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يعكس إدراك واشنطن أن الإمارات يمكن أن تصبح منصة تكنولوجية متقدمة تخدم المصالح الغربية في المنطقة، خصوصًا في مواجهة التمدد الصيني المتزايد في قطاع التكنولوجيا. أما قرار تزويد الإمارات بشرائح إنفيديا المتطورة، فهو يحمل أبعادًا جيوسياسية عميقة، لأن هذه الشرائح تُعتبر اليوم بمنزلة “نفط العصر الرقمي”، وهي أساس تطوير النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية المستقبلية.
وفي هذا الإطار، يصبح التقارب الأمني مع إسرائيل جزءًا طبيعيًا من المشهد الجديد. فإسرائيل تمتلك واحدة من أكثر الصناعات الدفاعية والتكنولوجية تطورًا في العالم، خصوصًا في مجالات الأمن السيبراني، والدفاع الجوي، والليزر العسكري، وأنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي العسكري. وبالتالي، فإن الحديث عن إرسال تكنولوجيا دفاعية ليزرية إلى الإمارات لا يقتصر على حماية منشآت النفط أو المدن، بل يرتبط ببناء منظومة دفاع متكاملة لحماية البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والمشاريع الاستراتيجية المستقبلية.
أما خط أنابيب حبشان – الفجيرة، فهو ربما الحلقة الأكثر أهمية في هذه الاستراتيجية. فالإمارات كانت تدرك منذ سنوات أن مضيق هرمز يمثل نقطة ضعف استراتيجية يمكن أن تشل اقتصاد الخليج بالكامل في أي مواجهة إقليمية. لذلك، جاء إنشاء هذا الخط كجزء من عقيدة أمن الطاقة الجديدة، القائمة على القدرة على التصدير حتى في حال اندلاع حرب واسعة أو إغلاق الممرات البحرية التقليدية. ومع أي تصعيد في الخليج، تصبح الفجيرة بوابة الإمارات الاستراتيجية إلى الأسواق العالمية بعيدًا عن التهديد الإيراني المباشر.
الأخطر في كل هذا، أن أبوظبي لا تتحرك فقط بمنطق الدفاع الاقتصادي، بل بمنطق اقتناص الفرصة التاريخية. فالعالم يعيش مرحلة انتقال بين نظام دولي قديم قائم على النفط والجيوش التقليدية، ونظام جديد قائم على التكنولوجيا والطاقة الذكية والذكاء الاصطناعي. والإمارات تسعى لأن تكون في قلب هذا النظام الجديد، لا على هامشه.
من هنا، يمكن فهم سلسلة الخطوات الأخيرة باعتبارها إعادة صياغة كاملة للهوية الاستراتيجية الإماراتية: من دولة نفطية خليجية تعتمد على التوازنات الإقليمية، إلى قوة تكنولوجية – مالية – أمنية مرتبطة مباشرة بالمحور الأميركي الغربي، وقادرة على لعب دور يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي. وفي حال نجحت هذه المقاربة، فقد تتحول الإمارات خلال العقد المقبل إلى أحد أهم مراكز النفوذ التكنولوجي والمالي في الشرق الأوسط، وربما إلى نموذج جديد للدول التي تستثمر عائدات النفط لبناء نفوذ ما بعد النفط.

