خاص – بيروت بوست
حمل بيان الامين العام لحزب الله رسائل سياسية مركّبة تتجاوز مجرد رفع المعنويات، ليشكّل وثيقة “تحديد اتجاه” للمرحلة المقبلة داخليًا وإقليميًا، حيث تكشف القراءة الدقيقة أنه ليس فقط ردًّا على حدث، بل إعادة تموضع مدروسة ضمن توازنات دقيقة.
أولًا: الإطار العام – خطاب حرب مفتوحة لا هدنة
ينطلق الشيخ نعيم قاسم من فرضية أساسية: لا يوجد وقف إطلاق نار فعلي. توصيف ليس لغويًا بل سياسي بامتياز، لأنه يهدف إلى:
– نزع الشرعية عن أي مسار تهدئة قائم.
– تبرير استمرار العمليات العسكرية.
– وضع المسؤولية الكاملة على إسرائيل والولايات المتحدة.
بهذا المعنى، يؤسس البيان لمرحلة “نزاع منخفض الوتيرة مستمر” بدل الحرب الشاملة أو السلام، وهي صيغة سبق أن اعتمدتها قوى غير دولية لإدارة الصراع طويل الأمد.
ثانيًا: تثبيت معادلة “المرونة الميدانية” بدل السيطرة الجغرافية
أخطر ما في البيان ليس التصعيد اللفظي، بل الإقرار الضمني بتغيير العقيدة القتالية:
– لا تمركز ثابت.
– لا خطوط تماس واضحة (رفض “الخط الأصفر” والمنطقة العازلة).
– اعتماد أسلوب الكر والفر.
هذا يعكس انتقالًا من نموذج “الدفاع عن أرض” إلى نموذج “حرب استنزاف متنقلة”، ما يعني:
– صعوبة أكبر لأي ترتيبات أمنية دولية.
– تراجع فعالية الرقابة التقليدية (مثل انتشار الجيش جنوب الليطاني).
– إبقاء الجبهة مفتوحة بشكل دائم ولكن مضبوط.
ثالثًا: الرسالة إلى الداخل اللبناني: تحييد الخصوم لا إقناعهم
لا يسعى البيان لإقناع المعارضين، بل يطلب منهم شيئًا محددًا: عدم معاكسة المقاومة.
وهذا فارق مهم. هو خطاب “خفض معارضة” وليس “بناء إجماع”.
في المقابل:
– يحمّل السلطة مسؤوليات واسعة (سيادة، اقتصاد، حماية).
– لكنه يعترف ضمنيًا بضعفها، ويعرض نفسه كسند.
هذه معادلة حساسة:
فالمعادلة واضحة: دولة ضعيفة + مقاومة قوية = شراكة غير متكافئة لكنها ضرورية.
رابعًا: رفض التفاوض المباشر: قراءة في الحسابات الإقليمية
رفض البيان أي تفاوض مباشر مع إسرائيل، ويقبل فقط بالتفاوض غير المباشر، مستشهدًا بتجارب سابقة. فالسبب ليس مبدئيًا فقط، بل استراتيجي:
– التفاوض المباشر يُعتبر اعترافًا سياسيًا.
– يمنح إسرائيل مكسبًا معنويًا.
– قد يُستخدم انتخابيًا في الولايات المتحدة (الإشارة إلى دونالد ترامب).
في المقابل، يحقق القبول بالتفاوض غير المباشر:
– مكاسب عملية دون أثمان سياسية كبيرة.
– الحفاظ على خطاب “المقاومة”.
خامسًا: إدخال العامل الإيراني – الأميركي كعنصر حاسم
من أبرز النقاط الجديدة اعتبار “الاتفاق الإيراني – الأميركي” أحد عوامل الحل.
هذا اعتراف واضح بأن:
– مسار الصراع في لبنان مرتبط بتفاهمات إقليمية.
– القرار ليس محليًا بالكامل.
بمعنى آخر، يربط البيان مستقبل الجبهة الجنوبية بتوازنات أكبر من لبنان نفسه، ما يعزز فكرة “وحدة الساحات” ولكن بصيغة سياسية لا عسكرية فقط.
سادسًا: إعادة إنتاج الشرعية عبر الرمزية
الإشارة إلى السيد حسن نصر الله والشهداء ليست مجرد وفاء، بل:
– إعادة تثبيت الشرعية التاريخية.
– ربط القيادة الحالية بالإرث السابق.
– تحصين القاعدة الشعبية في لحظة ضغط.
هذا مهم لأن أي مرحلة انتقال قيادة تحتاج إلى إعادة إنتاج الرمزية لضمان الاستمرارية.
سابعًا: تقدير الموقف: إلى أين يتجه الوضع؟
من خلال مجمل المؤشرات، يمكن استخلاص السيناريو الأقرب:
– استمرار التصعيد المضبوط
لا حرب شاملة، ولا تهدئة كاملة. عمليات متقطعة تحفظ توازن الردع دون الانفجار الكبير.
– تعطيل أي ترتيبات أمنية حاسمة
رفض المناطق العازلة يعني أن أي حل نهائي للجبهة الجنوبية مؤجل.
– ربط الحل بالتفاهمات الإقليمية
أي خفض فعلي للتوتر سيبقى رهينة مسار أميركي – إيراني.
– تكريس الازدواجية داخل الدولة اللبنانية
استمرار معادلة:
– الدولة تدير الداخل
– المقاومة تدير الصراع الخارجي
ثامنا: الخلاصة
البيان ليس إعلان حرب، ولا دعوة سلام، بل إعلان “إدارة صراع طويل”، فهو محاولة لضبط الإيقاع:
– منع الانزلاق إلى حرب شاملة
– منع أيضًا فرض تسوية بشروط الخصم
بعبارة أدق: نحن أمام استراتيجية “اللا حسم”، حيث يصبح الزمن نفسه أداة من أدوات القوة.

