خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في تصريح الادميرال براد كوبر، قائد القيادة الوسطى في الجيش الاميركي، حول تسليح الجيش اللبناني

خاص – بيروت بوست


شكّل تصريح قائد القيادة الوسطى الأميركية، الادميرال براد كوبر، بأن “الهدف الأساسي من دعم الجيش اللبناني هو مواجهة حزب الله”، مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة المرحلة الجديدة التي تديرها واشنطن في لبنان والمنطقة، خصوصاً أنه يأتي بالتزامن مع انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، ومع تصاعد الضغوط الدولية لفرض مسار زمني محدد لنزع سلاح حزب الله خلال مهلة لا تتجاوز ستة أشهر.

أولاً: انتقال أميركي من “الاحتواء” إلى “إعادة تشكيل التوازن”

لسنوات طويلة، حافظت الولايات المتحدة على خطاب مزدوج تجاه الجيش اللبناني وحزب الله. فمن جهة، كانت تدعم المؤسسة العسكرية باعتبارها “الضامن للاستقرار”، ومن جهة أخرى كانت تتجنب الإعلان الواضح بأن هذا الدعم يهدف إلى خلق توازن مباشر مع الحزب، تفادياً لانهيار الساحة اللبنانية أو انزلاقها إلى صدام داخلي.

أما اليوم، فإن تصريح الادميرال كوبر يعكس انتقالاً أميركياً من سياسة الاحتواء التدريجي إلى سياسة إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي، اذ أن واشنطن لم تعد تنظر إلى ملف سلاح الحزب باعتباره قضية سياسية لبنانية داخلية مؤجلة، بل باتت تعتبره بنداً تنفيذياً مرتبطاً مباشرة بترتيبات ما بعد الحرب على الجبهة الشمالية مع إسرائيل.

بمعنى آخر، فإن المفاوضات الحالية لم تعد تقتصر على ترسيم حدود أو تثبيت وقف إطلاق النار، بل دخلت عملياً في مرحلة إعادة هندسة الواقع الأمني اللبناني.

ثانياً: الربط بين المفاوضات ونزع السلاح

التوقيت هنا بالغ الأهمية. فالتصريح أتى في لحظة حساسة:
– مفاوضات مباشرة وغير مسبوقة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية.
– حديث متزايد عن ترتيبات أمنية جنوب الليطاني وشماله.
– ضغوط على الدولة اللبنانية لتوسيع انتشار الجيش.
– تداول غربي بخيارات تتعلق بمستقبل قوات اليونيفيل.
– مهلة زمنية يجري تسويقها دولياً لمعالجة ملف السلاح.

كل ذلك يشير إلى أن واشنطن تعمل على تحويل نتائج الحرب الأخيرة إلى وقائع سياسية دائمة، بحيث يصبح أي اتفاق أمني مقدمة لمسار تدريجي ينتهي بإضعاف البنية العسكرية للحزب أو احتوائها ضمن الدولة.
من هنا، يمكن فهم التصريح كرسالة مزدوجة:
– إلى الدولة اللبنانية: المطلوب دور أمني أكبر للجيش في مواجهة نفوذ الحزب.
– إلى إسرائيل: واشنطن مستعدة لرعاية مسار يحقق الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي المتمثل بإبعاد التهديد العسكري عن الحدود الشمالية.

ثالثاً: هل الجيش اللبناني قادر على لعب هذا الدور؟

هنا تكمن العقدة الأساسية. فالجيش اللبناني، رغم الدعم الأميركي الكبير، لا يمتلك حتى الآن القدرة السياسية أو البنيوية أو العقائدية للدخول في مواجهة مفتوحة مع حزب الله.
فالولايات المتحدة تدرك أن:
– الحزب ليس مجرد تنظيم مسلح، بل بنية سياسية واجتماعية وعسكرية متجذرة.
– أي محاولة سريعة لنزع السلاح بالقوة قد تؤدي إلى تفجير داخلي واسع.
– البيئة الشيعية ستتعامل مع أي مواجهة باعتبارها استهدافاً سياسياً للطائفة وليس فقط للحزب.
لذلك، يبدو أن واشنطن لا تدفع نحو حرب أهلية مباشرة، بل نحو استراتيجية استنزاف تدريجي تعتمد على:
– تضييق المجال العسكري أمام الحزب.
– تشديد الرقابة الحدودية.
– ضرب شبكات التمويل.
– خلق بيئة سياسية داخلية ضاغطة.
– ربط إعادة الإعمار والمساعدات بالإصلاحات الأمنية.
أي أن الهدف الأميركي ليس “معركة حاسمة” بل إعادة إنتاج توازن جديد يجعل سلاح الحزب عبئاً داخلياً وإقليمياً.

رابعاً: كيف سيتعامل حزب الله؟

من المرجح أن يتعامل حزب الله مع هذا الخطاب باعتباره إعلاناً أميركياً واضحاً بأن المرحلة المقبلة تستهدفه مباشرة، لا عبر إسرائيل فقط بل عبر أدوات داخلية ودولية متعددة.
ولذلك، قد يتجه الحزب إلى:
– رفع مستوى التعبئة السياسية والتنظيمية.
– التشدد في المفاوضات غير المباشرة.
– رفض أي جدول زمني ملزم لنزع السلاح.
– محاولة ربط مصير سلاحه بالتسوية الإقليمية الكبرى، لا بالملف اللبناني فقط.
– السعي لإثبات أن أي محاولة لعزله ستؤدي إلى اهتزاز الاستقرار اللبناني.
كما أن الحزب سيحاول استثمار الانقسام الداخلي اللبناني، عبر تقديم نفسه كقوة ردع منعت فرض الشروط الإسرائيلية بالكامل.

خامساً: السيناريو الأخطر

الخطورة الفعلية لا تكمن فقط في التصريحات، بل في احتمال وجود تفاهم أميركي –  إسرائيلي – إقليمي على أن الأشهر الستة المقبلة يجب أن تنتج تحولاً جذرياً في لبنان.
ففي حال فشل المسار التفاوضي، قد نشهد:
– تصعيداً أمنياً متدرجاً جنوباً.
– ضغوطاً مالية واقتصادية قاسية على لبنان.
– توسيع العقوبات.
– إعادة طرح فكرة القوات متعددة الجنسيات.
– منح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك العسكري.

أما إذا نجحت المفاوضات، فقد نشهد ولادة صيغة أمنية جديدة، يكون الجيش اللبناني فيها القوة الظاهرة، فيما يجري العمل تدريجياً على تقليص هامش حركة الحزب.

سادسا: خلاصة تقدير الموقف

تصريح براد الادميرال كوبر ليس تفصيلاً إعلامياً، بل إعلان سياسي – عسكري عن طبيعة المشروع الأميركي في لبنان بعد الحرب. واشنطن تعتبر أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة صياغة التوازن اللبناني تحت عنوان “حصر السلاح بيد الدولة”، مستفيدة من الضغوط الإقليمية ومن حاجة لبنان الاقتصادية والسياسية.

لكن المشكلة الأساسية تبقى أن أي محاولة لفرض هذا التحول بسرعة، ومن دون تسوية داخلية وإقليمية شاملة، قد تدفع لبنان نحو مرحلة شديدة الهشاشة، حيث يصبح خطر الانفجار الداخلي موازياً لخطر المواجهة مع إسرائيل نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى