خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | خطة تعميق المناورة” .… هل تستعد إسرائيل لمرحلة ضغط ميداني جديد في لبنان؟

خاص – بيروت بوست

تحمل التسريبات التي تحدثت عن ان المستوى السياسي في إسرائيل طلب من الجيش إعداد “خطة لتعميق المناورة في لبنان” دلالات عسكرية وسياسية تتجاوز البعد العملاني المباشر، خصوصا أنها تأتي في توقيت بالغ الحساسية: انطلاق مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، اقتراب انتهاء مهلة وقف إطلاق النار، وقيام الجيش الإسرائيلي بعمليات عبور إلى شمال النهر.

تزامن لا يبدو عرضيا، بل يوحي بأن تل أبيب تحاول بناء معادلة تفاوض بالنار، أي استخدام التهديد العسكري الممنهج لتحسين شروطها السياسية والأمنية.

أولا: ماذا يعني “تعميق المناورة” عسكريا؟

في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، مصطلح “المناورة” لا يشير فقط إلى التوغل البري، بل إلى عملية مركبة تشمل:
– توسيع نطاق السيطرة النارية
– تنفيذ اختراقات برية محدودة أو واسعة
– استهداف البنية القيادية واللوجستية
– فرض وقائع ميدانية جديدة تُترجم سياسيا لاحقا.

أما عبارة “تعميق المناورة”، فهي تعني أن المؤسسة السياسية الإسرائيلية تدرس الانتقال من نمط الضغط الحدودي المحدود إلى مستوى عمليات أوسع وأكثر عمقا داخل الأراضي اللبنانية، سواء عبر:
– توسيع مناطق الانتشار المؤقت
– إنشاء أحزمة أمنية نارية
– تنفيذ عمليات خاطفة ضد أهداف تعتبرها إسرائيل “استراتيجية”.

غير ان ذلك لا يعني بالضرورة قرارا فوريا بحرب شاملة، لكنه مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والانتقال إلى مرحلة إعداد خيارات هجومية أكثر اتساعا.

ثانيا: لماذا الآن؟

التوقيت هنا هو العنصر الأكثر أهمية. فإسرائيل تدرك أن أي مفاوضات مباشرة مع لبنان، سواء كانت أمنية أو تقنية أو سياسية، تحتاج إلى أوراق ضغط ميدانية. لذلك يمكن قراءة هذا التسريب ضمن ثلاثة أهداف متوازية:
1- الضغط على المفاوض اللبناني
تريد تل أبيب القول إن البديل عن التفاهم هو التصعيد. وبالتالي فإن تسريب الحديث عن “تعميق المناورة” يهدف إلى دفع لبنان نحو تقديم تنازلات في الملفات الأمنية والحدودية، خصوصا ما يتعلق:
– بانتشار القوى العسكرية جنوبا
– قواعد الاشتباك
– مستقبل المنطقة الحدودية.
2- تحسين شروط التفاوض الأميركية
تعلم إسرائيل أن واشنطن تدفع بقوة نحو تثبيت ترتيبات أمنية طويلة الأمد على الحدود اللبنانية. لذا فإن التلويح بخيارات عسكرية واسعة يمنح المفاوض الأميركي ورقة ضغط إضافية على الجانب اللبناني تحت عنوان: “إما التفاهم أو انفجار الجبهة”.
3- ترميم صورة الردع الإسرائيلي
بعد أشهر من الاستنزاف والتبادل الناري، تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية انتقادات داخلية مرتبطة بعجزها عن فرض حسم واضح على الجبهة الشمالية. لذلك فإن الحديث عن “تعميق المناورة” يخدم أيضا البعد النفسي الداخلي، ويعيد إظهار الجيش الإسرائيلي كقوة مستعدة للذهاب نحو خيارات أكثر هجومية.

ثالثا: ماذا يعني عبور الجيش الإسرائيلي إلى شمال النهر؟

هذه النقطة بالغة الحساسية، لأنها تحمل رسائل تتجاوز البعد التكتيكي. فالعبور إلى شمال النهر يمكن فهمه ضمن ثلاثة احتمالات:
– اختبار ميداني لردود الفعل اللبنانية والمقاومة
– جمع معلومات استخبارية استعدادا لأي عملية أوسع
– محاولة فرض واقع عملياتي جديد قبل انتهاء وقف إطلاق النار.
ففي الحسابات العسكرية، أي عبور ميداني محدود غالبا ما يكون جزءا من “بنك تحضير” لسيناريوهات أكبر، خصوصا إذا ترافق مع رفع مستوى الجهوزية الجوية والمدفعية.
رابعا: كيف يجب أن يقرأ لبنان هذا التطور؟

لبنان أمام مرحلة شديدة التعقيد، لأن إسرائيل تحاول الدمج بين: الضغط العسكري، التفاوض السياسي، والحرب النفسية.
من هنا، فإن الرسالة الأساسية من التسريب ليست أن الحرب بدأت، بل أن إسرائيل تريد التفاوض من موقع التهديد بالقوة. لذلك فإن المرحلة القصيرة المدى المقبلة ستشهد على الأرجح:
– تصعيدا مدروسا ومتدرجا على الحدود
– تكثيفا للرسائل الميدانية
– محاولات إسرائيلية لفرض قواعد اشتباك جديدة قبل تثبيت أي اتفاق طويل الأمد.

خامسا: الخلاصة

الحديث الإسرائيلي عن “تعميق المناورة في لبنان ليس مجرد تفصيل عسكري تقني، بل مؤشر استراتيجي على انتقال تل أبيب إلى مرحلة رفع السقف التفاوضي بالنار. فإسرائيل لا تبدو متجهة حتما إلى حرب شاملة حاليا، لكنها بالتأكيد تعمل على بناء بيئة ضغط ميداني ونفسي وسياسي تسمح لها بفرض شروط أمنية جديدة على لبنان قبل انتهاء ترتيبات وقف إطلاق النار.

الأخطر أن المنطقة دخلت فعليا مرحلة “الحد الفاصل” بين التفاوض والتصعيد، حيث يمكن لأي احتكاك ميداني أو خطأ في الحسابات أن يحول الضغط المدروس إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى