خاص – بيروت بوست
شكّل بيان حزب الله في الذكرى الثالثة والأربعين لاتفاق اتفاق 17 أيار أكثر من مجرد موقف سياسي اعتراضي على مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الجارية في واشنطن؛ فهو في جوهره إعلان تموضع استراتيجي شامل يرسم خطوط الاشتباك السياسي الداخلي المقبلة، ويؤسس لمرحلة جديدة من الصراع على هوية لبنان السياسية والأمنية، بالتوازي مع التحولات الإقليمية والدولية الجارية في المنطقة.
أولاً: البعد الرمزي والسياسي لاستحضار “17 أيار”
اختيار الحزب لهذه الذكرى بالذات ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل يحمل دلالات استراتيجية عميقة. ف”اتفاق 17 أيار” في الوعي السياسي لمحور المقاومة يمثل نموذجًا لمحاولة فرض تسوية لبنانية – إسرائيلية برعاية أميركية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وقد سقط لاحقًا تحت ضغط الانقسام الداخلي والعمل المقاوم.
من هنا، فإن الربط بين مفاوضات واشنطن الحالية وبين اتفاق 17 أيار يهدف إلى:
– نزع الشرعية الوطنية عن أي مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل.
– تصوير السلطة اللبنانية وكأنها تعيد إنتاج تجربة “التسوية المفروضة”.
– تعبئة البيئة الداخلية الرافضة للتطبيع أو لأي اتفاق سلام.
– وضع سقف سياسي وإيديولوجي يمنع تحول المفاوضات التقنية أو الأمنية إلى مسار سياسي دائم.
بمعنى آخر، يحاول الحزب منذ الآن منع تكوّن “دينامية تطبيع تدريجية” داخل الدولة اللبنانية، حتى لو كانت المفاوضات الحالية محصورة بالعناوين الأمنية والحدودية.
ثانياً: الرسالة الحقيقية خلف البيان
يتضمن البيان ثلاث رسائل استراتيجية متوازية:
1- رسالة إلى الدولة اللبنانية
مضمونها أن الذهاب بعيدًا في المفاوضات المباشرة من دون توافق وطني سيُعتبر تجاوزًا للخطوط الحمراء الداخلية.
الحزب هنا لا يهاجم فقط مضمون المفاوضات، بل يطعن أيضًا بشرعيتها الدستورية والسياسية، عندما يتحدث عن: غياب الإجماع الوطني، مخالفة الدستور، التنازلات السيادية، الانتقال التدريجي من وقف إطلاق النار إلى التفاوض السياسي.
وهذا يعني أن الحزب يحاول منع تحويل التفاوض الأمني إلى مسار سياسي دائم قد ينتهي لاحقًا إلى تفاهمات أمنية أو حدودية أو حتى اقتصادية طويلة الأمد مع إسرائيل.
2- رسالة إلى الولايات المتحدة
يتضمن البيان اتهامًا مباشرًا لواشنطن بأنها تقود مشروعًا لإعادة تشكيل لبنان سياسيًا وأمنيًا عبر:
– الضغط الاقتصادي
– ربط إعادة الإعمار بالشروط السياسية
– استخدام وقف إطلاق النار لفرض وقائع جديدة
– الدفع نحو نزع سلاح المقاومة تدريجيًا.
بالتالي، يقول الحزب عمليًا إن أي ضغط أميركي لن يؤدي إلى تفكيك معادلة المقاومة، بل قد يدفع نحو مزيد من التصعيد الداخلي والإقليمي.
3- رسالة إلى إسرائيل
الرسالة الأبرز هي أن الحزب لا يعتبر أن مسار التفاوض الحالي يعكس هزيمة استراتيجية له، بل يتعامل معه كمرحلة مؤقتة ضمن صراع طويل.
ولهذا شدد البيان على: استمرار الاحتلال، استمرار العدوان، استمرار الاستباحة الجوية والبحرية، استمرار خيار المقاومة.
أي أن الحزب يسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن التفاوض الجاري لا يلغي “شرعية المقاومة” ولا ينهي احتمالات العودة إلى التصعيد العسكري.
ثالثاً: ماذا يكشف البيان عن الواقع الداخلي اللبناني؟
يكشف البيان بوضوح أن لبنان دخل فعليًا مرحلة انقسام استراتيجي حول ثلاثة ملفات مركزية:
1- طبيعة العلاقة مع إسرائيل
هناك مساران يتواجهان:
– مسار تعتبره السلطة ضرورة لوقف الحرب وإعادة الاستقرار وفتح باب إعادة الإعمار.
– مسار يعتبره الحزب بداية انتقال لبنان من حالة “الهدنة” إلى مسار “السلام القسري”.
2- مستقبل سلاح المقاومة
رغم أن البيان لا يناقش الملف مباشرة، إلا أن كل مضمونه يدور حول منع استخدام المفاوضات كمدخل لنزع سلاح الحزب أو تقليص دوره العسكري والأمني.
3- شكل الدولة اللبنانية المقبلة
البيان يعكس خوف الحزب من نشوء:
– دولة مرتبطة بالمظلة الأميركية
– منظومة أمنية جديدة جنوبًا
– تفاهمات حدودية طويلة الأمد
– إعادة تشكيل التوازنات الداخلية على حساب محور المقاومة
رابعاً: دلالات التوقيت
توقيت البيان بالغ الأهمية لأنه يأتي:
– بالتزامن مع المفاوضات المباشرة في واشنطن
– بعد تصاعد الضغوط الأميركية على بيروت
– وسط حديث متزايد عن ترتيبات أمنية جنوبية جديدة.
– في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
هذا يعني أن الحزب أراد استباق أي نتائج تفاوضية محتملة عبر:
– رفع السقف السياسي وإحراج السلطة داخليًا
– منع تشكل غطاء وطني واسع للمفاوضات
– إعادة تعبئة شارعه بعد مرحلة الهدنة الطويلة نسبيًا
خامساً: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: استمرار المفاوضات ضمن السقف الأمني
وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا، حيث تستمر المفاوضات حول:
– تثبيت وقف إطلاق النار.
– الانسحاب الإسرائيلي.
– الأسرى.
– الترتيبات الحدودية.
في هذه الحالة سيواصل الحزب الضغط السياسي والإعلامي من دون الذهاب إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
السيناريو الثاني: توسع المفاوضات نحو تفاهمات سياسية
إذا تطورت المحادثات إلى:
– تفاهمات أمنية طويلة الأمد.
– ترتيبات دولية جديدة جنوبًا.
– نقاش غير مباشر حول سلاح الحزب.
فإن مستوى التصعيد السياسي الداخلي سيرتفع بشدة، وقد نشهد:
– شللًا حكوميًا.
– توترًا داخليًا واسعًا.
– عودة مناخ الانقسام الحاد بين فريقي “التسوية” و”المقاومة”.
السيناريو الثالث: فشل المفاوضات وعودة التصعيد الميداني
هذا يبقى احتمالًا قائمًا إذا استمرت إسرائيل في:
الاغتيالات، التوغلات، رفض الانسحاب، توسيع الضربات.
حينها سيحاول الحزب القول إن “خيار التفاوض سقط”، وإن الوقائع الميدانية أعادت تثبيت أولوية خيار المقاومة.
سادسا: الخلاصة الاستراتيجية
لا يهدف بيان حزب الل إلى رفض مفاوضات واشنطن، فقط، بل إلى رسم حدود سياسية ووطنية للمسار اللبناني المقبل. فالحزب يدرك أن المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى بعد الحرب الأخيرة، ويخشى أن يكون لبنان جزءًا من مشروع إقليمي تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل لإعادة هندسة التوازنات الأمنية والسياسية في المشرق.
لذلك، يمكن اعتبار البيان بمثابة:
– إعلان رفض مبكر لأي تسوية تتجاوز الإطار الأمني المحدود.
– تحذير للسلطة من الذهاب نحو مسار سلام تدريجي.
– تثبيت لمعادلة أن المقاومة ما زالت تعتبر نفسها شريكًا إلزاميًا في تحديد مستقبل لبنان الاستراتيجي.
في العمق، فإن أخطر ما يكشفه البيان هو أن لبنان لم يدخل بعد مرحلة “ما بعد الحرب”، بل لا يزال في قلب صراع مفتوح على هوية الدولة، وموقعها الإقليمي، وطبيعة علاقتها بإسرائيل والولايات المتحدة، وهو صراع مرشح للتصاعد كلما تقدمت المفاوضات المباشرة في واشنطن.




