
خاص – بيروت بوست
شكّل تصريح بنيامين نتنياهو عشية اللقاء اللبناني – الإسرائيلي في واشنطن خطوة محسوبة بدقة في سياق إدارة التفاوض، وليس مجرد إعلان موقف أمني. فالتصعيد في اللغة (“منطقة أمنية أكثر عمقًا” و”نزع سلاح حزب الله”) يعكس محاولة إسرائيلية لإعادة رسم إطار التفاوض قبل انطلاقه، بما يفرض معادلات جديدة على الطاولة.
أولاً: البعد التفاوضي – هندسة مسبقة لأجندة واشنطن
يهدف هذا التصريح عملياً إلى:
– تحديد سقف التفاوض من طرف واحد: إسرائيل تدخل المفاوضات وهي تطرح هدفين استراتيجيين (منطقة أمنية + نزع سلاح حزب الله)، ما يحوّل أي طرح لبناني إلى موقف دفاعي.
– نقل النقاش من وقف إطلاق النار إلى ترتيبات دائمة: أي من معالجة الأزمة الحالية إلى إعادة صياغة الواقع الأمني على الحدود.
– خلق فجوة تفاوضية كبيرة: بحيث يصبح أي تراجع إسرائيلي لاحقاً “تنازلاً” يمكن تسويقه.
بعبارة أخرى، لا يتحدث نتنياهو فقط إلى الداخل الإسرائيلي، بل يوجّه رسالة مباشرة إلى الوفد اللبناني: هذه هي قواعد اللعبة الجديدة.
ثانياً: التأثير المباشر على لقاء واشنطن
– تعقيد جدول الأعمال
يسعى لبنان على الأرجح إلى:
– تثبيت وقف إطلاق النار.
– انسحاب إسرائيلي من النقاط المحتلة.
– معالجة الخروقات.
لكن الطرح الإسرائيلي سيدفع باتجاه:
– بحث “المنطقة الأمنية” بدل الانسحاب.
– إدخال ملف سلاح حزب الله على الطاولة، وهو ملف يتجاوز صلاحيات أي وفد رسمي.
– النتيجة: تضارب في الأولويات منذ الجلسة الأولى.
-إضعاف هامش المناورة اللبناني
يضع الطرح الإسرائيلي لبنان أمام ثلاث خيارات صعبة:
– رفض شامل → خطر تحميله مسؤولية فشل المفاوضات.
– قبول مبدئي → مسّ بالسيادة.
– محاولة التفكيك التدريجي للطرح → استنزاف تفاوضي طويل.
– تحويل اللقاء إلى مفاوضات غير متكافئة
إسرائيل تدخل:
– وهي تسيطر ميدانياً على أجزاء من الجنوب.
– وتلوّح باستمرار هذا الوجود.
في المقابل، لبنان:
– يفتقر إلى أوراق ضغط عسكرية مباشرة عبر الدولة.
– يعتمد على توازن الردع غير الرسمي (حزب الله).
هذا الاختلال سينعكس مباشرة على دينامية التفاوض.
ثالثاً: الرسائل غير المباشرة في التوقيت
– للولايات المتحدة:
إسرائيل تقول إنها مستعدة للتفاوض، لكن وفق شروط أمنية صارمة، ما يضع واشنطن أمام خيارين:
– الضغط على لبنان لتقديم تنازلات.
– أو مواجهة تعثر المسار الدبلوماسي.
– لإيران:
ربط نزع سلاح حزب الله بأي اتفاق يعني أن:
– الساحة اللبنانية لا تزال ورقة ضغط أساسية في الصراع الإقليمي.
– أي تسوية في لبنان مرتبطة حكماً بمسار أوسع.
– للداخل الإسرائيلي:
يسوق نتنياهو أنه لا يذهب إلى “تنازلات”، بل إلى “سلام بشروط إسرائيلية”.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة لنتائج اللقاء
– لقاء استكشافي متوتر (الأرجح)
– تبادل مواقف دون اختراق حقيقي.
– تمسك كل طرف بسقفه.
– استمرار الوضع الميداني كما هو.
→ التصريح هنا يكون قد نجح في تجميد التنازلات.
– إطلاق مسار تفاوضي طويل
– تشكيل لجان أو مسارات تقنية.
– تأجيل القضايا الكبرى (سلاح حزب الله).
– التركيز على ترتيبات أمنية مرحلية.
→ واشنطن قد تدفع بهذا الاتجاه لتجنب الانفجار.
– تعثر سريع للمفاوضات
إذا أصرّت إسرائيل على:
– المنطقة الأمنية كأمر واقع.
– نزع السلاح كشرط مسبق.
→ قد ينسحب الوفد اللبناني أو يتم تجميد اللقاءات.
– مقايضة غير مباشرة
– قبول لبناني بترتيبات أمنية مشددة (دور أكبر للجيش أو اليونيفيل).
– مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي.
مع تأجيل ملف حزب الله.
→ هذا السيناريو يحتاج غطاءً أميركياً–إقليمياً.
خامساً: التقدير الاستراتيجي
تصريح نتنياهو ليس هدفه الوصول إلى اتفاق سريع، بل:
– تحسين شروط التفاوض.
– إضفاء شرعية على الوجود العسكري داخل لبنان.
– نقل الصراع من مرحلة عسكرية مفتوحة إلى مرحلة تفاوض تحت الضغط.
أما تأثيره على لقاء واشنطن فيمكن تلخيصه بثلاث نقاط أساسية:
– رفع مستوى التوتر السياسي قبل بدء التفاوض.
– توسيع فجوة المواقف بين الطرفين.
– دفع المفاوضات نحو مسار طويل ومعقد بدل اتفاق سريع.
سادسا: الخلاصة
لن يكون لقاء واشنطن محطة حسم، بل بداية صراع تفاوضي طويل، حيث تدخل إسرائيل وهي تسعى لفرض “أمن مقابل سيادة”، فيما يحاول لبنان تثبيت “سيادة مقابل استقرار”، وبين هاتين المعادلتين، ستتحدد طبيعة المرحلة المقبلة: إما تهدئة هشة تحت سقف التصعيد، أو مسار تفاوضي بطيء محكوم بتوازنات إقليمية أكبر من الطرفين أنفسهما.





