حروب بلا رصاص…المانيا وروسيا النموذج

كتب عماد رزق – مستشار في الشؤون الامنية
من مسيرات غامضة تحلّق فوق القواعد العسكرية، إلى هجمات سيبرانية تُشلّ شبكات السكك الحديدية، وصولاً إلى فضائح تسريب تطال الرجل الثاني في جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية.. الحرب الأمنية بين روسيا والمانيا تشتعل على جبهات متعددة، والسؤال الأكبر: ماذا يخبئ الجولة القادمة؟
مسيرات استطلاع أم تمهيد لعمل امني؟
خلال عام 2025 وحده، سجّلت المانيا أكثر من ألف تحليق مشبوه لطائرات مسيرة فوق منشآت عسكرية ومطارات ومصانع دفاعية وبنى تحتية حيوية.
في أغسطس 2026، رصدت شركة أمنية خاصة ست رحلات لطائرات مسيرة فوق قاعدة Bundeswehr في مدينة Mechernich في North Rhine-Westphalia، حيث يوجد مستودع أسلحة ومرافق صيانة لأنظمة Patriot للدفاع الجوي. إحدى المسيرات، التي يُشتبه في أنها من طراز Fly-380 VTOL، حلّقت فوق رجال الشرطة أنفسهم قبل أن تختفي.
الأخطر من ذلك كان ما شهدته قاعدة Annaburg في ديسمبر 2025، حين حاولت ثلاث مسيرات مجهولة تحديد مواقع منظومات Arrow 3 الدفاعية، ونجحت إحداها في الإفلات من مسيرة اعتراضية أطلقتها قوات الرد السريع.
وفي حادثة منفصلة في أغسطس 2026، عُثر على مسيرة محمّلة بعبوة ناسفة قرب مدرج مطار Leipzig/Halle، أحد أكبر مراكز الشحن الجوي في اوروبا، في وقت كانت طائرة شحن أوكرانية من طراز Antonov متوقفة على مقربة. وزيرة الدفاع الأوروبية Ursula von der Leyen لم تتردد في وصف ما يحدث: “هذا هو الواقع الجديد.. اوروبا تواجه وقاحة روسيا”.
حرب بلا رصاص
لم تقتصر الحرب على السماء. في فبراير 2026، تعرّضت شركة السكك الحديدية الألمانية Deutsche Bahn لهجوم إلكتروني ضخم من نوع DDoS، بلغت فيه الطلبات عشرات المليارات في الدقيقة، ما أدى إلى شلل نظام حجز التذاكر والمعلومات لساعات. رئيسة الوكالة الفيدرالية لأمن المعلومات وصفت الهجوم بأنه “بحجم لا يُرى في الحياة اليومية”، وأشارت إلى أن مثل هذه الهجمات على المانيا زادت بشكل كبير منذ بدء الحرب التي تشنها روسيا على اوكرانيا.
ووفقاً لصحيفة Bild، تقف مجموعة NoName057(16) الموالية لـ روسيا خلف الهجوم. وفي يوليو 2026، حمّل الاتحاد الاوروبي المركز السادس عشر التابع لـ FSB مسؤولية سلسلة هجمات سيبرانية استهدفت Germany ودولاً أوروبية أخرى، بما في ذلك اختراق شبكات حكومية وتخريب بنى تحتية حيوية. وفي خطوة تصعيدية، استدعت الماتيا سفير روسيا للاحتجاج على هذه الهجمات.
فضيحة تضرب قلب جهاز الاستخبارات
قبل ايام، في الاول من أكتوبر 2026، كشف تحقيق مشترك لـ WDR وSüddeutsche Zeitung أن رقم الهاتف المحمول الخاص بـ Dag Baehr، نائب رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية BND، كان متاحاً على الإنترنت لسنوات، إلى جانب بريده الإلكتروني الخاص وعنوان منزله في Bavaria.
المفارقة الصادمة: Dag Baehr، وهو جنرال في الجيش الألماني يشرف على الاستخبارات العسكرية الاستراتيجية، كان هو نفسه ضحية تسريب بيانات بسيط من موقع مزادات أمريكي تعرّض للاختراق في 2020. والأخطر أنه كان يعلم بالتسريب، لكنه استمر في استخدام رقم هاتفه حتى وقت قريب جداً. الحادثة تطرح أسئلة محرجة: كيف يمكن لـ BND أن يترك نائب رئيسه يستخدم رقم هاتف مكشوف على الإنترنت؟ وهل هذه مجرد حالة فردية، أم نمط أوسع من الإهمال الأمني؟
الجولة القادمة..المانيا تنتقل إلى الهجوم
في مواجهة هذا التصعيد، بدأت المانيا تغيّر قواعد اللعبة. وفقاً لتقارير Politico في فبراير 2026، تعمل حكومة المانيا على مشروعي قانونين: الأول يوسّع تفويض الاستخبارات الخارجية للقيام بعمليات سيبرانية هجومية خارج المانيا، والثاني يمنح الأجهزة الأمنية صلاحيات أوسع للرد على التهديدات المختلطة.
وزير الداخلية Alexander Dobrindt كان صريحاً: “سنقاتل، حتى خارج أراضينا. سنعطّل المهاجمين وندمّر بنيتهم التحتية”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي الرد السيبراني لمواجهة حرب هجينة تتعدد جبهاتها؟ من مسيرات تنطلق ربما من سفن ظل في Baltic Sea، إلى هجمات تصيّد تستهدف حسابات وزراء على تطبيق Signal، حيث تم اختراق نحو 300 حساب لشخصيات سياسية، إلى اختراق البريد الإلكتروني وتحويله إلى بوابة للاختراق..
الحرب الأمنية بين روسيا والمانيا لم تعد حرباً تقليدية، بل لعبة شطرنج ثلاثية الأبعاد تُلعب على رقعة رقمية. والأخطر أن الضربة القادمة قد لا تأتي من الخارج، بل من إهمال داخلي، أو من ثغرة في نظام قديم، أو من رقم هاتف نسي أحدهم تغييره.



