خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في اطلالة الشيخ نعيم قاسم

خاص – بيروت بوست

شكّل خطاب نعيم قاسم نقطة تحوّل سياسية – تفاوضية بالغة الحساسية، ليس فقط من حيث مضمونه التصعيدي، بل من حيث توقيته المتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، حيث يمكن مقاربته ضمن ثلاثة مستويات مترابطة: الرسائل الداخلية، الإشارات التفاوضية، والتداعيات الميدانية.

أولاً: في البعد الاستراتيجي العام

يكرس الخطاب انتقال حزب الله من مرحلة “الصبر الاستراتيجي” إلى “إدارة الصراع المفتوح”.
فعندما قال الشيخ قاسم إن “الدبلوماسية لم تتقدم خطوة واحدة”، فهو عملياً سحب الغطاء السياسي عن المسار التفاوضي، ووضعه في خانة الفشل، مقابل تثبيت خيار المواجهة كخيار وحيد.
تحول يعني:
– إسقاط الرهان على الوساطة الأميركية.
– إعادة تعريف الصراع ك”حرب وجودية” لا نزاع حدودي.
وفي ذلك تثبيت لمعادلة: التفاوض = استسلام مقابل المقاومة = سيادة.

ثانياً: الرسائل الموجهة إلى الداخل اللبناني

حمل الخطاب موجّه بوضوح إلى نواف سلام والحكومة، ثلاث رسائل أساسية:
1. رفض شرعية التفاوض الحالي
لم يكتف الشيخ قاسم برفض التفاوض، بل طعن في شرعيته الوطنية، معتبراً أنه:
– يتم دون إجماع لبناني.
– يخدم “المشروع الإسرائيلي – الأميركي”.
رفض وضع الحكومة في موقع حرج: إما الاستمرار بالمفاوضات مع خطر فقدان الغطاء الداخلي، أو التراجع والدخول في فراغ سياسي.
2. إعادة فرض “ثلاثية الجيش – الشعب – المقاومة”
تعني إشارته إلى نجاح التنسيق جنوب الليطاني:
– رفض أي محاولة لفصل الجيش عن المقاومة.
– تحذير مبطن من أن أي مسار يهمّش حزب الله سيؤدي إلى تعطيل الاستقرار.
3. منع الانقسام الداخلي
التحذير من “فتنة سنية – شيعية” ومن الخلاف مع حركة أمل هو:
– رسالة استباقية لضبط الشارع.
– تأكيد أن البيئة الحاضنة ما زالت متماسكة.

ثالثاً: التأثير المباشر على المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية

ضرب الخطاب المفاوضات في ثلاث نقاط جوهرية:
1. نزع الغطاء التفاوضي
رفض التفاوض بشكل قاطع يعني أن:
– أي وفد لبناني لن يملك تفويضاً كاملاً.
– إسرائيل ستعتبر أن الدولة لا تمثل كل القوى الفاعلة.
– النتيجة: إضعاف موقع لبنان التفاوضي.
2. تغيير جدول الأولويات
فرض قاسم ترتيباً معاكساً لما تريده إسرائيل:
وقف العدوان، الانسحاب، الأسرى، الإعمار، ثم النقاش السياسي.
في المقابل يقوم الطرح الإسرائيلي على ترتيبات أمنية أولاً (نزع أو تحجيم سلاح المقاومة).
تباين يجعل أرضية التفاوض شبه معدومة.
3. تحويل التفاوض إلى ورقة ضغط ميدانية
إعلانه أن “المستوطنات لن تكون آمنة” وأن هناك إمكانية لأسر جنود:
– يرفع منسوب التهديد العسكري.
– يستخدم الميدان لفرض شروط سياسية.
أي أن المفاوضات تصبح امتداداً للمعركة لا بديلاً عنها.

رابعاً: التأثير على وقف إطلاق النار

قلص الخطاب فرص التهدئة للأسباب التالية:
1. ربط التهدئة بشروط قصوى
وقف إطلاق النار مشروط بـ: انسحاب كامل، وقف شامل للعدوان، إعادة إعمار.
وهذه شروط لا تقبل بها إسرائيل بسهولة.
2. تثبيت معادلة “التصعيد مقابل التصعيد”
التهديد بالمواجهة المستمرة يعني:
– أي خرق إسرائيلي سيقابَل برد.
– لا وجود لمرحلة “خفض تصعيد” مستقرة.
3. تقويض دور الوسيط الأميركي
اتهام الولايات المتحدة بالشراكة في العدوان:
– يسقط حياد الوسيط.
– يدفع نحو تدويل أوسع أو نحو تصعيد أكبر.

خامساً: التقدير الاستراتيجي للموقف

يمكن تلخيص الاتجاه العام في ثلاث خلاصات:
1. المفاوضات تتجه إلى التعطيل أو الشكلية
ستستمر ربما: كغطاء دبلوماسي،أو تحت ضغط دولي،
ولكن دون نتائج فعلية في المدى القريب.
2. خطر التصعيد الميداني يرتفع
خصوصاً مع: التهديد بأسر جنود، واستهداف المستوطنات، ما يفتح الباب أمام جولة أعنف من المواجهة.
3. لبنان أمام ازدواجية القرار
– الدولة تسير في مسار تفاوضي
– المقاومة تسير في مسار عسكري
وهذه الازدواجية ستبقى العامل الحاسم في: نجاح أو فشل أي تسوية، أو الانزلاق نحو حرب أوسع.

سادسا: الخلاصة
لا يقرأ خطاب الشيخ نعيم قاسم كتصعيد إعلامي فقط، بل كإعلان سياسي واضح بسحب الثقة من المسار التفاوضي الحالي، وإعادة تثبيت خيار المواجهة كأداة رئيسية لتحقيق الشروط اللبنانية.
وبذلك، فإن تأثيره المباشر هو:
– إضعاف المفاوضات إلى حد كبير
– تعقيد فرص وقف إطلاق النار
– رفع احتمالات التصعيد العسكري
فما لم يحدث تحول دولي ضاغط يفرض تسوية تتقاطع مع شروط الطرفين، وهو أمر لا تبدو مؤشراته متوافرة حتى الآن، تبقى الامور مفتوحة على كل الاحتمالات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى