
خاص – بيروت بوست
يشكّل فشل مفاوضات إسلام آباد بين واشنطن وطهران نقطة تحوّل حساسة في مسار التوازنات الإقليمية، مع انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الساحة اللبنانية، التي غالباً ما تتحوّل إلى ساحة تظهير للرسائل المتبادلة بين القوى الكبرى.
أولاً: على الوضع اللبناني الداخلي
يعني فشل المفاوضات عملياً عودة مناخ التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، ما يرفع منسوب التوتر في لبنان. إذ يُتوقع أن تعمد طهران إلى استخدام أوراق الضغط المتاحة لديها، وفي مقدمها الساحة اللبنانية، لتعويض الخسارة الدبلوماسية.
واقع قد يترجم عبر تصعيد محسوب ميدانياً أو سياسياً، أو عبر تشديد شروطها في أي تسوية داخلية. في المقابل، ستزداد الضغوط الأميركية على الدولة اللبنانية للفصل بين مؤسساتها الرسمية ونفوذ حزب الله، ما يعمّق الانقسام الداخلي ويؤخر أي استقرار سياسي أو اقتصادي.
ثانياً: على المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية
ينعكس فشل التفاهم الأميركي – الإيراني سلباً على أي مسار تفاوضي غير مباشر بين لبنان وإسرائيل. فواشنطن، في ظل التوتر مع طهران، ستتبنّى مقاربة أكثر تشدداً، وقد تربط أي تقدم تفاوضي بملفات أمنية أوسع تتعلق بدور حزب الله.
في المقابل، ستسعى إسرائيل إلى استثمار هذا الفشل لتشديد شروطها التفاوضية، سواء في ملفات الحدود أو الترتيبات الأمنية، معتبرة أن هامش المناورة الإيراني تراجع، أو أنه بات أكثر عدوانية، ما سيضع لبنان في موقع حرج بين ضغطين: ضغط دولي للتنازل، وضغط داخلي لعدم تقديم أي تنازل.
ثالثاً: على سلاح حزب الله
يُعد هذا الملف الأكثر تأثراً. ففشل المفاوضات يعزّز موقع سلاح حزب الله كورقة استراتيجية بيد إيران. بمعنى آخر، بدل أن يكون السلاح جزءاً من تسوية إقليمية، سيُعاد توظيفه كأداة ردع وضغط.
قد نشهد في هذه الحالة:
- تثبيت معادلة “توازن الردع” مع إسرائيل بدل الذهاب إلى أي بحث في نزع السلاح.
- تصعيداً تكتيكياً مضبوطاً لإيصال رسائل دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
- رفضاً كاملاً لأي نقاش داخلي حول الاستراتيجية الدفاعية، باعتبار أن الظرف إقليمي ضاغط.
رابعاً: السيناريوهات المحتملة
- تصعيد مضبوط: الأكثر ترجيحاً، حيث يتم استخدام الجنوب اللبناني كساحة ضغط دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.
- جمود تفاوضي شامل: توقف المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بانتظار تبدّل المناخ الدولي.
- انفجار محدود: في حال سوء تقدير من أحد الأطراف، ما قد يؤدي إلى مواجهة محدودة لكنها خطيرة.
- إعادة فتح قنوات خلفية: رغم الفشل، قد تستمر قنوات غير معلنة بين واشنطن وطهران، ما يخفف منسوب التصعيد.
خامسا: خلاصة تقدير الموقف
يدخل لبنان مرحلة “الانتظار القلق”، حيث يصبح أكثر ارتباطاً بمسار الصراع الأميركي – الإيراني. ففشل مفاوضات إسلام آباد لا يعني فقط تعطيل مسار دبلوماسي، بل إعادة تفعيل منطق الصراع بالوكالة، ما يضع لبنان مجدداً في قلب لعبة الأمم: ساحة ضغط، لا ساحة تسوية، على الأقل في المدى المنظور.



