حرب الجواسيس… من إبداع السوفيات إلى “صدمة البيجر”

كتب عماد رزق – مستشار في الشؤون الأمنية
عودة الهاردوير القاتل
في عالم ظنَّ لفترة طويلة أن الحروب المستقبلية ستُدار خلف شاشات الكمبيوتر وبنقرات برمجية غير مرئية، استيقظت المنظومات الأمنية العالمية على حقيقة مرعبة تعيد صياغة مفهوم الاختراق الاستخباري كلياً. إنها العقيدة العائدة بقوة: “اختراق سلاسل التوريد” (Supply Chain Interdiction). لم يعد الصراع محصوراً في أروقة الفضاء السيبراني الهش، بل انتقل إلى عمق المواد الفيزيائية، حيث تحول “الهاردوير” من مجرد أدوات جامدة إلى كمائن موقوتة، وأجهزة تجسس مجهرية تنام لسنوات قبل أن تستيقظ بأمر من صانعها المخفي.
هذا التحول الجذري في مسرح الصراع الأمني الدولي، يفكه تقرير استراتيجي بالغ السرية صادر عن “ISCS — مركز الدراسات والتواصل الاستراتيجي” (أيلول 2026).
يكشف التقرير الموجه حصرياً للمشتركين كيف تحولت عقيدة التجسس من “الآذان الخفية” للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، إلى “السلاح الفتاك المتفجر” في عمليات الشرق الأوسط الأخيرة، وتحديداً صدمة تفجير أجهزة “البيجر” واللاسلكي في لبنان.
من روسيا مع الحب.. هندسة الخداع المادي
يعود التقرير بالذاكرة الاستخبارية إلى الجذور، معتبراً جهاز المخابرات السوفياتية (KGB) الأب الشرعي والمهندس الأول لعمليات اختراق الأجهزة قبل تسليمها للخصوم. الفلسفة السوفياتية القديمة كانت واضحة وبسيطة في عبقريتها: “إذا تعذر اختراق الحصن من الداخل، فقم بتعديل الأدوات التي تشتريها الضحية وتدخلها بنفسها إلى غرف صنع القرار”.
أبرز تجليات هذه العقيدة تجسدت في “مشروع غانمان” (Project GUNMAN) عام 1983. في تلك الحقبة، نجح السوفيات في اعتراض شحنات الآلات الكاتبة الكهربائية الشهيرة (IBM Selectric) المتوجهة إلى السفارة الأمريكية الحصينة في موسكو. بدلاً من زرع ميكروفونات تقليدية يسهل كشفها بأجهزة الفحص، قام مهندسو الـ KGB باستبدال قضيب الدعم المعدني الصلب الموجود تحت لوحة المفاتيح بقضيب آخر مجوف من الداخل ومطابق تماماً في المظهر والوزن والملمس.
الداخل المجوف للقضيب احتوى على أول “Keylogger” (مسجل نقرات) في التاريخ؛ دارة إلكترونية مدعومة بستة مستشعرات مغناطيسية تقيس بدقة حركة اتجاه كرة التوجيه الدوارة للطابعة عند ضغط أي زر، وتترجمها فوراً إلى الحرف المكتوب. هذه البيانات كانت تُبث على شكل دفقات راديوية فائقة السرعة تستغرق أجزاء من الملي ثانية إلى أجهزة استقبال سوفياتية قريبة. ولم تكتشف وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) هذه الكارثة إلا بعد سنوات، عبر فحص مضنٍ بالأشعة السينية، كشف عن 16 آلة كاتبة معدلة بالكامل تتجسس على كل وثيقة أمريكية تُطبع في موسكو.
ولم يكن هذا الإبداع وليد الصدفة، فقد سبقه عام 1945 ابتكار فيزيائي مذهل عُرف باسم “The Thing” (الشيء)، وهو جهاز تنصت صممه العبقري السوفياتي ليون تيرمين، وزُرع داخل شعار خشبي أهداه أطفال سوفيات للسفير الأمريكي. الجهاز كان خاملاً تماماً بلا بطارية، وبلا أسلاك، وبلا إلكترونيات، مما جعله عصياً على الكشف لسبع سنوات. كان يعمل فقط عندما يسلط السوفيات موجات رادار من مبنى مقابل، لتهتز غشاء التجويف الداخلي مع صوت السفير، وترتد الإشارات حاملةً أدق الأسرار.
قفزة الموساد الجيلية.. من الإنصات إلى التفجير
إذا كان الهدف السوفياتي في القرن العشرين استخبارياً صامتاً يبتغي جمع المعلومات، فإن القفزة النوعية التي حققتها الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) في أيلول 2024 عبر تفجير أجهزة “البيجر” واللاسلكي في لبنان، نقلت هذه العقيدة من التجسس إلى “الهجوم الحركي التدميري” (Kinetic Attack)، مستهدفةً شل وتدمير بنية القيادة والسيطرة بالكامل.
يكشف تحليل مركز ISCS أن التغيير لم يكن في الفكرة، بل في لا-انسانية التطوير التقني وهندسة الخداع التجاري. لم يعد الأمر مجرد اعتراض شحنة في ميناء، بل تأسيس شبكة معقدة من “شركات الواجهة والقشرة” (Shell Companies) في أوروبا (مثل شركتي BAC في المجر وNorta في بلغاريا). هذه الشركات قامت بشراء حقوق وعقود ترخيص لعلامات تجارية آسيوية موثوقة (مثل Gold Apollo) لتمنح الأجهزة شهادة منشأ شرعية لا تثير أي شكوك جمركية.
داخل خطوط الإنتاج المزدوجة لهذه الشركات الوهمية، تم عزل الطلبيات المتوجهة للهدف بعناية. هناك، تم دمج المادة المتفجرة شديدة القوة (PETN) داخل دارات بطاريات الليثيوم بكميات ميكروسكوبية مطابقة للوزن والحجم الأصليين، لدرجة جعلتها تعبر أجهزة فحص المطارات التقليدية والأشعة السينية دون أي أثر. أما آلية التفعيل، فكانت قمة التزاوج بين البرمجيات والهاردوير؛ رسالة رقمية مشفرة واحدة عَبَرت الأثير، أحدثت رفعاً مفاجئاً لجهد الطاقة وقِصراً متعامداً في الدارة المحقونة، ليتحول جهاز الاتصال الشخصي في ثانية واحدة إلى قنبلة يدوية تنفجر في جيوب آلاف الأشخاص بشكل متزامن.
يتبع جزء ثاني..
دماء سوفياتية في عروق الموساد؟



