خاصأمن وقضاءإقليمياقتصاددوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في بيان السفارة الاميركية

خاص – بيروت بوست

تظهر تغريدة السفارة الأميركية محاولة واضحة لنقل مسار التهدئة في الجنوب من إطار “ضبط الاشتباك” إلى مسار سياسي تفاوضي مباشر، وهو تحوّل نوعي يضع لبنان أمام معادلة حساسة تتقاطع فيها ثلاثة مستويات: الضغوط الدولية، التوازنات الداخلية، وسقف موقف المقاومة.

أولاً، في البعد الاستراتيجي، تعكس الدعوة الأميركية، المرتبطة باسم الرئيس دونالد ترامب، رغبة في استثمار لحظة “التهدئة القسرية” لتحويلها إلى إنجاز سياسي سريع. فطرح لقاء مباشر بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الاسرائيلية، ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل محاولة لفرض معادلة جديدة: الاعتراف المتبادل “de facto”، تمهيداً لترتيبات أمنية طويلة الأمد قد تتجاوز القرار 1701 نحو صيغة أشبه باتفاق إطار أمني – سيادي.

لكن هذه المقاربة تصطدم مباشرةً بعقيدة حزب الله، الذي يرفض أي تفاوض مباشر مع إسرائيل لاعتبارات تتجاوز التكتيك إلى البنية الأيديولوجية والسياسية. بالنسبة للحزب، التفاوض المباشر يعني:
– إضفاء شرعية سياسية على إسرائيل
– تقويض سردية المقاومة
– فتح الباب لنزع سلاحه تدريجياً تحت عنوان استعادة السيادة

ثانياً، داخلياً، يضع الطرح الأميركي رئيس الجمهورية في موقع شديد الحساسية. فهو من جهة:
– يواجه ضغطاً دولياً وعربياً للاستفادة من “الفرصة”
– يحتاج إلى إنجاز سيادي – اقتصادي يعزز موقعه
ومن جهة أخرى:
– يصطدم برفض قاطع من الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل)
– يهدد بتفجير أزمة حكم، أو على الأقل شلل سياسي عميق.

فالأزمة هنا ليست تقنية بل بنيوية: هل يملك رئيس الجمهورية صلاحية اتخاذ خيار استراتيجي بهذا الحجم في ظل انقسام وطني حاد؟ عملياً، أي خطوة نحو التفاوض المباشر دون غطاء داخلي ستُفسَّر كاستفزاز، وقد تدفع نحو:
– تصعيد سياسي داخلي
– إعادة خلط الأوراق أمنياً على الحدود

ثالثاً، في قراءة التوقيت، يبدو أن واشنطن تحاول استباق احتمال انهيار التهدئة، عبر تقديم صفقة شاملة: أمن مقابل سيادة مقابل دعم مالي وإعادة إعمار. لكن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أساسية: أن ملف الجنوب في لبنان ليس ملفاً حدودياً فقط، بل هو جزء من صراع إقليمي أوسع مرتبط بإيران.

لذلك، يمكن تقدير الموقف وفق السيناريوهات التالية:
– سيناريو التعطيل الداخلي (الأرجح)
يرفض حزب الله الطرح بشكل قاطع، ويضغط لإفشاله سياسياً، ما يدفع جوزاف عون إلى التراجع أو التجميد، حفاظاً على الاستقرار الداخلي.
– سيناريو التدوير غير المباشر
يُصار إلى التفاف على الطرح عبر مفاوضات غير مباشرة (كما حصل في ترسيم الحدود البحرية)، ما يسمح بحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف دون كسر الخطوط الحمراء.
– سيناريو التصعيد
إذا جرى الدفع نحو التفاوض المباشر بالقوة السياسية أو الدولية، قد يلجأ حزب الله إلى رفع مستوى التوتر الميداني لإعادة فرض قواعد الاشتباك ومنع تغيير المعادلة.

عليه فان الطرح الأميركي يبدو نظرياً فرصة للبنان، لكنه عملياً يتجاهل توازن القوى الداخلي. فأي محاولة للقفز فوق رفض حزب الله ستتحول من “فرصة تاريخية” إلى عامل تفجير داخلي. وبالتالي، المسار الأكثر واقعية ليس التفاوض المباشر، بل إدارة الصراع عبر قنوات غير مباشرة تبقي التوازن قائماً دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، سياسياً أو عسكرياً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى