خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي | قراءة في رسالة امين عام حزب الله

خاص – بيروت بوست

أولاً: دلالات التوقيت: كسر المسار قبل تثبيته

تأتي الرسالة في توقيت حساس، هدفه الأساسي إسقاط شرعية المسار التفاوضي قبل أن يتحول إلى أمر واقع. فحزب الله يدرك أن أخطر ما في المفاوضات المباشرة ليس نتائجها الفورية، بل تحويلها إلى إطار دائم لإدارة النزاع، كما حصل في تجارب أخرى في المنطقة. لذلك، يعلن منذ الآن أن “هذه المفاوضات كأنها غير موجودة”، في محاولة لنزع أي غطاء وطني عنها.
بمعنى آخر، الحزب لا ينتظر فشل المفاوضات، بل يعمل على تفريغها مسبقاً من مضمونها السياسي.

ثانياً: إعادة تعريف ميزان القوة

تعيد الرسالة رسم سردية الحرب الأخيرة (“أولي البأس” و”العصف المأكول”) باعتبارها نقطة انتصار لا هزيمة. هذه النقطة جوهرية، لأن أي تفاوض ينطلق عادة من ميزان القوى الميداني.
هنا، الحزب يفرض معادلة:
– نحن لم نُهزم →إذاً لسنا مضطرين لتقديم تنازلات →بالتالي أي تنازل من الدولة هو إذعان لا ضرورة له
وهذا يعني عملياً نزع صلاحية الدولة التفاوضية، لأن شرعيتها (من وجهة نظر الحزب) مشروطة بتمثيل “ميزان القوة الحقيقي” لا ميزان الدبلوماسية.

ثالثاً: إسقاط مفهوم التفاوض المباشر

لا ترفض الرسالة التفاوض بالمطلق، بل تميز بين:
تفاوض غير مباشر (مقبول بشروط)
– تفاوض مباشر (مرفوض قطعياً)
تمييز مهم لأنه يعكس خوفاً من التحول السياسي – الرمزي الذي يعنيه الجلوس المباشر مع إسرائيل:
– اعتراف متبادل ضمني
– إدخال لبنان في منظومة تسويات إقليمية
– تقويض سردية “الصراع الوجودي”
بالتالي، رفض التفاوض المباشر هو في جوهره رفض لتحويل الصراع من صراع مفتوح إلى نزاع قابل للإدارة السياسية.

رابعاً: الشروط الخمسة كإطار مضاد

طرح الحزب “النقاط الخمس” (وقف العدوان، الانسحاب، الأسرى، العودة، الإعمار) ليس مجرد مطلب، بل هو إطار تفاوضي بديل يهدف إلى:
– نقل التفاوض من تسوية إلى شروط استسلام للعدو
– وضع سقف مرتفع يمنع أي تسوية مرحلية
– إحراج السلطة أمام الرأي العام
وهذه الشروط عملياً غير قابلة للتحقق دفعة واحدة، ما يعني أنها أداة لتعطيل المسار أكثر من كونها أرضية حل.

خامساً: الصراع على الشرعية الداخلية

أخطر ما في الرسالة هو انتقالها من مواجهة الخارج إلى مواجهة داخلية سياسية مفتوحة:
– اتهام السلطة بالتنازل المذل
– التشكيك بشرعيتها التمثيلية
– ربطها بالإملاءات الأميركية – الإسرائيلية
هذا يفتح الباب أمام سيناريوهين:
شلل سياسي كامل يمنع أي تقدم تفاوضي
– تصعيد داخلي تدريجي بين الدولة وخيار المقاومة
وفي الحالتين، تصبح المفاوضات رهينة الانقسام الداخلي.

سادساً: البعد الإقليمي – تثبيت دور إيران

الإشارة الواضحة إلى دور إيران في وقف إطلاق النار تعني أن الحزب يريد تثبيت معادلة:
الحل لا يمر عبر واشنطن وحدها، بل عبر محور إقليمي موازٍ، وهذا يضع أي لقاء محتمل في البيت الأبيض في إطار تنافس مسارات:
– مسار أميركي – إسرائيلي – لبناني رسمي
– مسار إيراني – مقاوم غير مباشر

سابعاً: الرسالة إلى واشنطن وتل أبيب

توجه الرسالة واضحة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل: حتى لو تم التوصل إلى اتفاق مع الدولة اللبنانية، لن يكون قابلاً للتنفيذ ميدانياً دون موافقة حزب الله.
وهذا عملياً يعني:
– أي تفاهم لا يشمل الحزب = اتفاق هش
– وقف إطلاق النار الحالي = قابل للانفجار في أي لحظة

ثامناً: سيناريوهات المرحلة المقبلة

في ضوء هذه الرسالة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات:
1. استمرار التفاوض مع شلل التنفيذ
تستمر اللقاءات (حتى في البيت الأبيض)، لكن دون نتائج عملية بسبب رفض الحزب.
2. انهيار وقف إطلاق النار
أي احتكاك ميداني قد يعيد التصعيد، خصوصاً مع إعلان الحزب استمراره في الرد”.
3. تسوية معدّلة غير مباشرة
العودة إلى نموذج الوساطة غير المباشرة كحل وسط يحفظ ماء الوجه للجميع.

تاسعا: خلاصة تقدير الموقف

الرسالة ليست مجرد رفض سياسي، بل هي إعلان استراتيجي بأن قرار الحرب والسلم في لبنان لم يُنقل إلى الدولة بعد، رغم كل المسار الدبلوماسي الجاري.
فإذا حصل اللقاء بين جوزاف عون وبنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، فسيكون رمزيًا أكثر منه حاسمًا، لأن العقدة الفعلية ليست في واشنطن .… بل في الداخل اللبناني وميزان القوى الذي تعكسه هذه الرسالة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى