خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

تقدير موقف استراتيجي |قراءة في كلمة رئيس الحكومة نواف سلام

خاص – بيروت بوست

في لحظة لبنانية شديدة الهشاشة، يقدّم الرئيس نواف سلام خطاباً يتجاوز الشكل إلى محاولة إعادة ضبط بوصلة الداخل، عبر تحصينه من الانزلاق إلى الفتنة في ظل حرب مفتوحة جنوباً. فالدعوة إلى الوحدة هنا ليست شعاراً، بل تعبير عن إدراك عميق بأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط على الحدود، بل في قابلية الداخل للاهتزاز. وبين نقد مزدوج للرهانات الخارجية والانخراط في صراعات تفوق قدرة لبنان، وإعادة التذكير بمرجعية اتفاق الطائف، يحاول سلام رسم معادلة دقيقة: دولة قوية كضمانة وحيدة للاستقرار، مقابل واقع معقد لا تزال فيه موازين القوى تتجاوزها.

أولاً: الإطار العام:  خطاب في لحظة مفصلية
يأتي خطاب رئيس الحكومة، نواف سلام، في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع:
– ضغط الحرب على الجبهة الجنوبية
– التوترات الداخلية الكامنة
– الانقسام السياسي- الاستراتيجي حول موقع لبنان في الصراع.
خطاب لا يمكن قراءته كمجرد دعوة للوحدة، بل هو محاولة لصياغة مقاربة شاملة لإدارة مرحلة الخطر الوجودي الذي يواجه الدولة اللبنانية.

ثانياً: الرسالة المركزية: منع الانزلاق إلى “الفتنة”
جوهر الخطاب يتمحور حول فكرة واحدة: تحييد الداخل اللبناني عن تداعيات الحرب، في طرح يعكس إدراكاً عميقاً لثلاثة مخاطر:
– تحول الانقسام السياسي إلى صراع أهلي
– توظيف الذاكرة الجماعية للحرب كأداة تعبئة
– انهيار ما تبقى من مؤسسات الدولة تحت ضغط الاستقطاب
لذلك، يضع سلام خطاً فاصلاً بين: الصراع مع الخارج
والاستقرار في الداخل.

ثالثاً: إعادة قراءة التاريخ: نقد مزدوج للنخب اللبنانية

واحدة من أهم نقاط الخطاب هي “النقد المتوازن” لكل الأطراف اللبنانية:
1. خطأ “تغليب القضايا الخارجية”
إشارة واضحة إلى:
– الانخراط في صراعات إقليمية
– تحميل لبنان أعباء تفوق قدرته
2. خطأ “الرهان على الخارج”
إشارة إلى: القوى التي راهنت على دعم دولي أو إقليمي، وانتهت رهينة حسابات أكبر منها، وهو بذلك يهدف إلى: تفكيك السرديات المتقابلة، وبناء أرضية وطنية مشتركة تتجاوز الانقسام التقليدي.

رابعاً: البعد الاجتماعي – النفسي – إدارة الألم الجماعي

يولي الخطاب أهمية لافتة لما يمكن تسميته: “الشرعية العاطفية” للدولة،من خلال:
– الاعتراف بمعاناة جميع الفئات (مدنيين ومقاتلين)
– تجنب الاصطفاف العاطفي
– توحيد الألم بدل تقسيمه
هذا البعد ليس إنسانياً فقط، بل هو:
– أداة سياسية لمنع الانفجار الداخلي
– محاولة لسحب فتيل الاحتقان الشعبي

خامساً: الجنوب كعقدة مركزية

إشارة سلام إلى الجنوب تحمل دلالات استراتيجية عميقة:
– الاعتراف بكلفة الحروب المتكررة
– الإقرار بمشكلة تعدد مراكز القرار
– التأكيد على غياب/ضعف الدولة
وتمثل هذه النقاط تشخيصاً مباشراً لمعضلة السيادة في لبنان: وجود قوة فعلية خارج إطار الدولة يقابله ضعف في السلطة المركزية.
لكن سلام يتجنب المواجهة المباشرة، طارحا بديلاً:
تعزيز الدولة بدل الصدام مع الواقع القائم.

سادساً: العودة إلى اتفاق الطائف  (محاولة إعادة تأسيس)
الدعوة إلى الطائف ليست تقنية، بل سياسية – استراتيجية:
ماذا تعني فعلياً؟
– إعادة التأكيد على مرجعية الدولة الواحدة
– طرح مسألة حصرية السلاح بيد الدولة بشكل غير مباشر
– إعادة فتح ملف اختلال تطبيق الاتفاق
لماذا الآن؟
لأن الحرب الحالية أعادت طرح سؤال: من يقرر الحرب والسلم في لبنان؟

سابعاً: التوازن الدقيق في الخطاب

اعتمد سلام مقاربة شديدة الحذر تقوم على:
– عدم استفزاز حزب الله مباشرة
– عدم الانحياز الكامل لمحور خارجي
– عدم تبني خطاب سيادي تصادمي
هذا التوازن يعكس: محدودية قدرة الحكومة، وتعقيد الواقع اللبناني، لكنه أيضاً، قد يُفسَّر كضعف أو غموض في الرؤية التنفيذية.

ثامناً: تقدير الموقف
1. على المستوى الداخلي
الخطاب ينجح في:
– تهدئة التوتر
– إعادة إنتاج خطاب وطني جامع
لكنه لا يقدم آليات تنفيذية واضحة، حيث يبقى  التأثير: تهدئة مرحلية دون حل جذري
2. على مستوى الصراع السياسي
يشكل الخطاب:
– محاولة لإعادة تموضع الدولة بين: محور المقاومة
والمحور الدولي، لكنه يبقى في منطقة رمادية: لا يغير موازين القوى، ولا يحسم الخيارات.
3. على مستوى الحرب
التركيز على وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي يعكس:
– تبني مقاربة دبلوماسية
– لكن غياب أدوات الضغط يجعل الدور اللبناني محدوداً

تاسعاً: السيناريوهات المحتملة

السيناريو الأول: نجاح التهدئة الداخلية
– استمرار الخطاب الجامع
– احتواء الانقسام
– بقاء الصراع محصوراً جنوباً
السيناريو الثاني: تآكل الخطاب
– تصاعد الخطاب التحريضي
– عودة الانقسام السياسي الحاد
– انتقال التوتر إلى الداخل
السيناريو الثالث (الأخطر): انهيار التوازن
– توسع الحرب
– تفكك مؤسسات الدولة
– عودة مشهد الانقسام الأهلي

عاشرا: الخلاصة
خطاب الرئيس سلام ليس مجرد دعوة للوحدة، بل هو: محاولة لصياغة “عقيدة بقاء” للدولة اللبنانية في زمن الحرب، يرتكز على:
– تحييد الداخل
– استعادة مرجعية الدولة
– تفكيك السرديات الانقسامية
لكن التحدي الحقيقي يبقى في: تحويل هذا الخطاب من مستوى النوايا إلى مستوى القدرة والتنفيذ.
فلبنان اليوم لا يواجه فقط خطر الحرب، بل خطر: العجز عن إدارة نفسه في زمن الحرب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى