خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

الاتفاق الإطاري الثلاثي… من وقف الحرب إلى إعادة صياغة لبنان استراتيجياً

خاص – بيروت بوست

تظهر صيغة نص الاتفاق الاطاري الثلاثي، أننا لسنان أمام مجرد اتفاق أمني أو تطوير للقرار 1701، بل أمام مشروع جيواستراتيجي متكامل لإعادة رسم البيئة الأمنية والسياسية في لبنان، وربطه بمنظومة إقليمية تقودها الولايات المتحدة، بحيث يصبح ملف السلاح، وإعادة الإعمار، والمساعدات الاقتصادية، والعلاقات مع إسرائيل، أجزاءً من صفقة واحدة غير قابلة للتجزئة.

أولاً: مشروع تغيير للنظام الأمني اللبناني

يختلف هذا النص جذرياً عن تفاهم نيسان 1996، وعن القرار 1701، وحتى عن تفاهمات وقف إطلاق النار السابقة.
فالقرارات السابقة كانت تنظم الاشتباك، بينما هذا الاتفاق يسعى إلى إنهاء أسباب الصراع نفسها كما يرد حرفياً في مقدمته.
وهذا يعني الانتقال من: إدارة النزاع (Conflict Management) إلى إنهاء النزاع (Conflict Resolution)، وهو تطور بالغ الخطورة لأنه ينقل لبنان من حالة “الهدنة الدائمة” مع إسرائيل إلى مسار سلام تدريجي وإن لم يُسمَّ كذلك بصورة مباشرة.

ثانياً: إنهاء معادلة المقاومة

يكاد النص بأكمله يدور حول محور واحد:
نزع سلاح كل الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة.
ويتكرر هذا المفهوم عشرات المرات، بصورة لم تعرفها أي وثيقة دولية خاصة بلبنان.
وليس المقصود هنا فقط: السلاح جنوب الليطاني،
أو تنفيذ القرار 1701، بل: نزع كامل للبنية العسكرية،
نزع القدرات، نزع البنية التحتية، ومنع أي دور أمني أو عسكري مستقبلي.
أي أن الهدف ليس ضبط حزب الله، بل إنهاء دوره العسكري بصورة نهائية.

ثالثاً: إسرائيل تنسحب بل بعد التحقق

وهذه أخطر نقطة في الاتفاق.
فالانسحاب الإسرائيلي لم يعد التزاماً مستقلاً.
بل أصبح مشروطاً بثلاث مراحل: نزع السلاح،  التحقق الأميركي،  نجاح المناطق التجريبية.
أي أن إسرائيل لم تعد ملزمة بجدول زمني.
بل أصبحت صاحبة مصلحة في إطالة عملية التحقق.
وهذا يمنحها عملياً حق البقاء داخل الأراضي اللبنانية إلى أجل غير محدد إذا اعتبرت أن الشروط لم تتحقق.

رابعاً: النموذج السوري يتكرر

يستحدث الاتفاق مفهوماً جديداً لم تعرفه الحالة اللبنانية سابقاً: Experimental Security Zones
أو المناطق الأمنية التجريبية، وهو نموذج استُخدم في العراق وسوريا وأفغانستان.
ويقوم على: تسليم منطقة محددة، مراقبة الأداء.
قياس النتائج، الانتقال إلى منطقة جديدة.
أي أن الدولة اللبنانية لن تستعيد الأراضي دفعة واحدة، وإنما وفق برنامج أميركي تدريجي.
وهذا يمنح واشنطن دور المشرف التنفيذي على إعادة بناء السلطة الأمنية.

خامساً: الجيش اللبناني حجر الزاوية

في هذا الاتفاق يصبح الجيش اللبناني الأداة الرئيسية لتنفيذ المشروع، وليس مجرد قوة فصل.
إذ يُطلب منه: استلام كل المناطق، تفكيك البنية المسلحة، احتكار القوة، ضبط الحدود، وتنفيذ الشروط الأمنية.
وبالتالي يتحول الجيش من مؤسسة دفاعية إلى المؤسسة المركزية في إعادة تشكيل الدولة اللبنانية.

سادساً: الولايات المتحدة الضامن الفعلي

يمنح النص واشنطن صلاحيات واسعة جداً.
فهي: الوسيط، الضامن، الممول، المشرف، المراقب، جهة التحقق، قائد إعادة الإعمار.
وبذلك يصبح النفوذ الأميركي داخل لبنان أكبر مما كان عليه حتى بعد اتفاق الطائف.

سابعاً: إعادة الإعمار أداة ضغط سياسي
النص يربط بصورة مباشرة بين: نزع السلاح
وإعادة الإعمار.
أي لا أموال قبل تنفيذ الشروط، لا مساعدات دون تحقق أميركي، ولا استثمارات دون نتائج أمنية.
هذا يختلف جذرياً عن كل مؤتمرات باريس وسيدر السابقة، إذ تصبح الأموال جزءاً من منظومة الضغط.

ثامناً: العقوبات المالية تدخل داخل الاتفاق

البند الحادي عشر بالغ الأهمية، إذ لا يكتفي بمنع تمويل الجماعات المسلحة، بل يفرض على لبنان:
– حظر المؤسسات المرتبطة بها،
– منع وصول أموال الإعمار إليها،
-اتخاذ إجراءات قانونية بحقها.
أي أن الدولة اللبنانية تصبح شريكاً مباشراً في منظومة العقوبات الأميركية.

تاسعاً: بداية مسار تطبيع

رغم أن كلمة “تطبيع” لم ترد، إلا أن البنود تتحدث عن:
– مجموعات عمل مشتركة.
– تواصل مباشر دائم.
– تنسيق عسكري.
– اتفاق سلام شامل.
– علاقات جوار.
– وقف الملاحقات الدولية.
– إعادة الرفات.
– الإفراج عن المحتجزين.
وهذه هي المراحل نفسها التي سبقت اتفاقات السلام في حالات أخرى. وبالتالي فإن الاتفاق يرسم عملياً مساراً تدريجياً نحو تطبيع العلاقات.

عاشراً: ذكر الرئيس ترامب

ان إفراد فقرة كاملة للإشادة بقيادة الرئيس الأميركي يعطي الاتفاق بعداً سياسياً إضافياً. فهو يُقدَّم كمشروع شخصي لإدارة ترامب، بما يشير إلى رغبة واشنطن في تسجيل إنجاز استراتيجي يعيد رسم المشهد اللبناني ضمن رؤيتها الجديدة للشرق الأوسط.

الحادي عشر: هل تستطيع الدولة اللبنانية تنفيذ الاتفاق؟

هنا تكمن العقدة الأساسية. فالتنفيذ يتطلب:
– قراراً سياسياً داخلياً موحداً.
– توافقاً وطنياً واسعاً.
– قدرة الجيش على الانتشار والسيطرة.
– قبول القوى المسلحة بالتخلي عن سلاحها.
– استقراراً أمنياً يمنع الانزلاق إلى صدام داخلي.
ففي غياب هذه العناصر، قد يتحول الاتفاق إلى مصدر توتر داخلي بدل أن يكون مدخلاً للاستقرار.

الثاني عشر: السيناريوهات المحتملة

– سيناريو النجاح الكامل: ينجح تنفيذ الالتزامات تدريجياً، تنسحب إسرائيل، تتدفق أموال إعادة الإعمار، ويبدأ مسار سلام طويل الأمد.
– سيناريو التنفيذ الجزئي: يتحقق انتشار للجيش في بعض المناطق مع تعثر ملف نزع السلاح، فتؤجل إسرائيل انسحابها الكامل ويستمر الضغط الأميركي.
– سيناريو الفشل: يرفض أحد الأطراف التنفيذ أو يتعطل المسار سياسياً أو ميدانياً، فتعود المواجهات ويُستخدم الاتفاق لتبرير استمرار الوجود الإسرائيلي أو زيادة الضغوط الدولية.

الثالث عشر: الخلاصة

يمثل هذا الاتفاق أكبر تحول استراتيجي في لبنان منذ اتفاق الطائف. فهو لا يقتصر على إنهاء العمليات العسكرية، بل يؤسس لإعادة هندسة النظام الأمني والسياسي والاقتصادي للدولة اللبنانية، عبر ربط السيادة واحتكار السلاح وإعادة الإعمار والمساعدات والعلاقات مع إسرائيل في إطار واحد تقوده الولايات المتحدة.
في المقابل، فإن نجاح هذا المشروع سيبقى مرهوناً بقدرته على معالجة التوازنات الداخلية اللبنانية والإقليمية، لأن أي محاولة لفرضه من دون توافق سياسي ووطني واسع قد تجعل الاتفاق نفسه نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من عدم الاستقرار، بدلاً من أن يكون خاتمة لعقود من الصراع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى