خاص – بيروت بوست
ما صدر عن اجتماع القاهرة لا يمكن قراءته بوصفه مجرد بيان دبلوماسي تقليدي، بل يمثل مؤشراً سياسياً وجيوسياسياً بالغ الأهمية على وجود إرادة إقليمية واسعة لحماية مسار التفاهم الأميركي – الإيراني ومنع أي انتكاسة قد تعيد المنطقة إلى مرحلة المواجهة المفتوحة.
فاجتماع أربع دول تمتلك أوزاناً مختلفة ومتكاملة في الإقليم، مصر، تركيا، السعودية، وباكستان، وإصدارها موقفاً موحداً داعماً لمذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية، يعني أن التفاهم لم يعد مجرد تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران، بل تحول إلى مشروع استقرار إقليمي يحظى برعاية متعددة الأطراف.
أولاً: الاتفاق أمر واقع
اللافت في البيان أن الدول الأربع لم تدعُ إلى بدء الحوار الأميركي- الإيراني، بل طالبت بالإسراع في الوصول إلى اتفاق نهائي.
وهذا التفصيل يحمل دلالة استراتيجية مهمة، إذ يعكس اقتناعاً لدى العواصم المعنية بأن المفاوضات تجاوزت مرحلة الاختبار وأصبحت في مرحلة تثبيت النتائج.
بمعنى آخر، فإن الدول الإقليمية الأساسية تتعامل مع التفاهم الأميركي – الإيراني باعتباره مساراً قائماً يجب استثماره وليس مشروعاً قابلاً للإجهاض.
ثانياً: السعودية من “متحفظ” إلى “شريك”
من أهم الرسائل الكامنة في البيان موافقة الرياض على دعم المسار التفاوضي علناً. فالسعودية كانت تاريخياً من أكثر الأطراف تأثراً بأي اتفاق بين واشنطن وطهران، خشية أن يتم على حساب التوازنات الخليجية.
لكن إصرار البيان على ضرورة أخذ “المخاوف الأمنية لدول المنطقة” في الاعتبار يشير إلى أن الرياض حصلت على تطمينات أولية بأن الاتفاق لن يكون نسخة جديدة من اتفاق 2015، بل صيغة أوسع تتناول ملفات الأمن الإقليمي أيضاً.
يعزز ذلك فرضية أن واشنطن تحاول بناء هيكل أمني جديد في الخليج يقوم على التهدئة مع إيران بدلاً من سياسة الاحتواء والمواجهة.
ثالثاً: باكستان تدخل نادي الوسطاء الكبار
البيان منح باكستان مساحة استثنائية من الإشادة، وهو أمر غير مألوف في البيانات الدبلوماسية.
فإسلام آباد لم تكن مجرد مستضيفة للمفاوضات، بل تحولت إلى قناة تواصل موثوقة بين واشنطن وطهران.
وتكمن الأهمية الجيوسياسية لذلك في أن باكستان تمتلك علاقات جيدة مع الخليج وإيران في آن واحد، ما يجعلها طرفاً مؤهلاً للمساعدة في إدارة التوازنات الحساسة التي ستنتج عن الاتفاق.
رابعاً: رسالة غير مباشرة إلى إسرائيل
رغم أن البيان لم يأتِ على ذكر إسرائيل، فإن مضمون الموقف يحمل رسالة واضحة مفادها أن القوى الإقليمية الرئيسية لا ترغب في أي تصعيد عسكري يعطل مسار التفاهم الأميركي – الإيراني.
ومن هنا يمكن فهم الضغوط المتزايدة التي تمارسها واشنطن لفرض هدوء طويل الأمد في لبنان وغزة والعراق وسورية، باعتبار أن أي انفجار في هذه الساحات قد يهدد الاتفاق الجاري بناؤه.
فحماية الاتفاق أصبحت أولوية تتقدم على حساب الرغبة الإسرائيلية في مواصلة سياسة الضغط العسكري المفتوح على إيران وحلفائها.
خامساً: ماذا يعني ذلك للبنان؟
لبنان قد يكون من أكثر الساحات تأثراً بنتائج هذا المسار. فإذا نجحت المفاوضات في الانتقال إلى اتفاق شامل، فإن ذلك سيعزز فرص تثبيت وقف إطلاق النار جنوباً ويفتح الباب أمام معالجة تدريجية للملفات العالقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله ضمن مناخ إقليمي أقل توتراً.
أما إذا تعثرت المفاوضات، فقد تعود الساحة اللبنانية إلى موقعها التقليدي كإحدى ساحات الضغط المتبادل بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.
سادسا: تقدير الموقف
يمكن اعتبار بيان القاهرة بمثابة إعلان إقليمي لدعم “المرحلة الثانية” من التفاهم الأميركي – الإيراني. فالدول الأربع لا تدافع فقط عن اتفاق محتمل، بل تسعى إلى بناء مظلة سياسية تمنع انهياره قبل ولادته النهائية.
عليه، فإن الاتجاه الغالب حالياً ليس نحو الحرب، بل نحو إعادة هندسة التوازنات الإقليمية عبر تسويات متدرجة تبدأ من الملف النووي وتمتد إلى أمن الخليج والمشرق العربي وساحات النزاع المفتوحة، وفي مقدمتها لبنان وغزة.
فالسؤال لم يعد ما إذا كان الاتفاق الأميركي – الإيراني سيولد، بل ما هو حجم التنازلات المتبادلة التي ستسمح بتحويله من مذكرة تفاهم إلى نظام إقليمي جديد يعيد رسم خرائط النفوذ والاستقرار في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.



