خاص – بيروت بوست
في بلدٍ “ما بتنقصه” المفاجآت، ولا “بتخلص” فيه قدرات الابتكار في توزيع الامتيازات، لم يعد السؤال: من يملك سيارة رسمية أو مرافقة أمنية؟ بل تطوّر السؤال إلى مستوى أكثر “رقياً”: من يستحق مرافقة أمنية .… حتى لو كان كلباً؟
في مشهدٍ لو كُتب في مسلسل ساخر لقالوا إنه مبالغة درامية، لكنّه في الواقع “خبر مرتب” في نشرة يومية مزدحمة ب”الغرايب والعجايب”: كلبٌ يحظى بسيارة مخصّصة ومواكبة أمنية، و”زمور وسلاح”، بينما المواطن العادي يحتاج إلى “مرافقة الله” فقط كي يصل سالمًا إلى آخر الشهر، كي لا نقول أكثر.
المفارقة ليست في الكلب طبعاً، فهو، في النهاية، لا يضع خططاً اقتصادية، لا يفاوض في واشنطن، لا يناقش الموازنة، لا يشارك في جلسات التشريع والثقة، ولا يتخذ قرارات تنفيذية مصيرية …. هو بريء من كل هذه التهم. المشكلة في “المنظومة”، و”دولتها العميقة”، من “راسها لكعبها”، التي قررت أن الحماية الأمنية لم تعد تُقاس بالخطر، بل بالدرجة الرسمية لصاحب الكلب، فلا تنسوا ان “كلب المير مير” في لبنان، سواء كان للابن او الحفيد ….
ففي بلدٍ على هذه الشاكلة، يبدو أن جدول الأولويات قد أُعيدت صياغته بعناية: الكهرباء مؤجلة، المياه منسية، الرواتب “خليفاني”، المفاوضات “محلها”، واللائحة تطول، “عا مد عينكم والنظر”، لكن حماية الكلاب .… أمرٌ عاجل وضروري لا يحتمل النقاش. فربما، في مكانٍ ما من هذا الكون، هناك من اقتنع أن تهديد الكلب أهم من تهديد انهيار البلد.
غير ان المشهد الأكثر إبداعاً هو “التبرير” الرسمي، همسا والغير معلن: “الكلب له دور حساس”. بالطبع، كلنا نعرف أن هناك أدواراً حساسة في الدولة، لكن لم نكن نعلم أن بعضها يُؤدّى بأربع قوائم وذيل يهتزّ عند ….
أما المواطن، ذلك الكائن غير المصنف ضمن فئة “المحميين”، فيواصل رحلته اليومية دون موكب، دون صفارات، ودون أي امتياز سوى القدرة على صبر أيوب. هو وحده من يتعلم فن التعايش مع الغلاء، والانقطاع، والزحمة، و”قصف العمر”، بينما يشاهد من شباك “جحش الدولة”، او سيارته متى وُجدت، موكباً أمنياً مع “طبل وزمر” يمرّ بسرعة .… لحماية كلب.
في النهاية، قد لا يكون الخبر صادماً بقدر ما هو مُفسِّر لكل شيء: حين تُدار الأولويات بالمقلوب، يصبح من الطبيعي أن تُحمى الكلاب أكثر من البشر، وأن تتحول الدولة إلى مسرح واسع لعرضٍ ساخر، يدفع فيه الجمهور ثمن التذكرة دون أن يختار الدخول.
ومع ذلك، لا يسع “المواطن الكادح” إلا أن يتساءل بسخرية مرّة: إذا كان هذا مستوى الحماية المخصص للكلاب .… فكم يلزم من مواكب لحماية الأحلام؟

