خاصأمن وقضاءإقليميدوليسياسةنزاعات وصراعات

رسائل الضاحية النارية: ليتحمل عون نتيجة تموضعه

خاص – بيروت بوست

يشكل كلام قيادات حزب الله، في الفترة الاخيرة، مؤشراً بالغ الدلالة على طبيعة المرحلة التي دخلها لبنان بعد انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، خصوصاً في ظل التوتر المتصاعد بين الحزب ورئيس الجمهورية، والانقطاع شبه الكامل لقنوات التواصل السياسية المباشرة بين الطرفين.

فالتصاريح لا يمكن قراءتها كخطاب تعبوي داخلي فقط، بل كتقدير موقف سياسي – أمني يعبّر عن انتقال الحزب من مرحلة “التحفظ” إلى مرحلة “إعادة التموضع الدفاعي” في مواجهة ما يعتبره مشروعاً متكاملاً يستهدف دوره العسكري والسياسي معاً.

في البعد الاستراتيجي، تعكس تلك المواقف، اقتناعاً داخل الحزب بأن المفاوضات الحالية لم تعد محصورة بترتيبات أمنية جنوبية أو بوقف إطلاق النار، بل تحولت إلى منصة لإعادة صياغة التوازنات الداخلية اللبنانية تحت ضغط أميركي – غربي – عربي. فالربط المستمر بين “المفاوضات المباشرة” وملف “سلاح المقاومة”، معتبراً أن السلطة اللبنانية انتقلت تدريجياً من موقع “الوسيط المتوازن” إلى موقع “الشريك في الضغوط”. هذه النقطة بالذات هي الأخطر في الخطاب، لأنها تعني أن الحزب بات ينظر إلى رئاسة الجمهورية بوصفها أقرب إلى المشروع الدولي المطروح، لا إلى صيغة التسوية الداخلية التقليدية.

فاتهام الحزب لعون ب “كسر التوازن” بعد سنة من انتخابه يحمل رسائل متعددة:

  • أولاً، هو إعلان عملي لسقوط التفاهم غير المعلن الذي سمح بوصوله إلى الرئاسة بدعم أو غضّ نظر من الثنائي الشيعي.
  • ثانياً، هو إيحاء بأن الحزب يشعر بأنه خسر الغطاء السياسي الذي كان يراهن عليه داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً مع تنامي التقاطع الأميركي – العربي حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ضمن مهلة زمنية واضحة.
  • ثالثاً، هو تمهيد نفسي وسياسي لجمهور الحزب لاحتمال الدخول في مرحلة مواجهة سياسية داخلية طويلة مع العهد.

أما الحديث عن “الفتنة” و”التآمر على المقاومة”، فيكشف أن الحزب بات يتعامل مع المرحلة بوصفها محاولة لإنتاج جبهة داخلية لبنانية واسعة ضده، تتجاوز الانقسامات التقليدية بين 8 و14 آذار. فالحزب يخشى انتقال الضغط عليه من المستوى العسكري الإسرائيلي إلى المستوى اللبناني الداخلي، أي من حرب الحدود إلى حرب الشرعية السياسية، وهو ما يدفع في اتجاه التأكيد الدائم على رسالة واضحة مفادها: ” الحزب لا يزال يمتلك بيئة شعبية وقدرات تنظيمية وعسكرية تمنع عزله أو محاصرته داخلياً”.

الأهم في الخطاب هو الجمع بين لهجة المظلومية ولهجة التهديد. فمن جهة، يتحدث الحزب عن “خداع” و”نقض وعود” و”تواطؤ”، في محاولة لإظهار نفسه كطرف التزم بالتسويات وتم الانقلاب عليه، ومن جهة أخرى، يذكّر بوجود “عشرات آلاف المقاتلين” الجاهزين للميدان، في مزج يشكل جزءا من عقيدة الردع السياسية لدى الحزب، أي القول إنه لا يريد المواجهة الداخلية لكنه مستعد لها إذا فُرضت عليه.

في المقابل، يعكس هذا التصعيد الكلامي إدراك الحزب أن البيئة الإقليمية تغيّرت جذرياً. فالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل لم تكن لتبدأ لولا وجود قرار دولي واضح بدفع بيروت نحو تسوية شاملة، تشمل الحدود والأمن والسلاح والدور الإقليمي للبنان، ما رفع منسوب التوتر بين الحزب والعهد، لأن عون يبدو اليوم أقرب إلى مقاربة تعتبر أن استعادة الدعم الدولي للبنان تمر عبر إعادة تعريف وظيفة الدولة الأمنية والعسكرية، كما يدعي علنا، فيما يرى الحزب أن هذا المسار يهدد جوهر “معادلة المقاومة”.

المرحلة المقبلة مرشحة لثلاثة احتمالات مترابطة:

  1. تصعيد سياسي داخلي مضبوط: عبر رفع سقف الخطابات والضغوط الشعبية دون الانزلاق إلى مواجهة أمنية مباشرة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً.
  2. تعطيل مؤسساتي تدريجي: إذا شعر الحزب أن المفاوضات تتقدم نحو تفاهمات تمس مباشرة بسلاحه أو ببنيته الأمنية، فقد يلجأ إلى تعطيل سياسي يشبه مراحل سابقة من تاريخ الأزمة اللبنانية.
  3. إعادة خلط أمني محدود: عبر السماح بارتفاع منسوب التوتر الميداني جنوباً أو في مناطق الاحتكاك، لإعادة فرض قواعد تفاوض جديدة ومنع تكريس معادلة “السلاح مقابل التسوية”.

عليه، فان خطاب حارة حريك، ليس مجرد موقف اعتراضي على المفاوضات، بل إعلان واضح بأن حزب الله يعتبر نفسه دخل مرحلة استهداف استراتيجي شامل، وأن العلاقة مع بعبدا انتقلت من التباين السياسي إلى أزمة ثقة عميقة.

أزمة، إذا ترافقت مع استمرار الضغوط الخارجية وتقدم المسار التفاوضي مع إسرائيل، قد تتحول إلى أخطر انقسام داخلي يشهده لبنان منذ سنوات، لأن الصراع لن يكون حينها على حكومة أو حقيبة أو قانون، بل على هوية الدولة نفسها ووظيفتها الاستراتيجية في الإقليم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى