خاص – بيروت بوست
يعكس خطاب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مقاربة استراتيجية متكاملة للملف اللبناني – الإسرائيلي، يمكن قراءتها كجزء من إعادة صياغة أميركية لقواعد الاشتباك في الجنوب، تتجاوز مسألة “تثبيت وقف إطلاق النار” نحو محاولة إعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه.
أولاً: إعادة تعريف الصراع: من نزاع دولي إلى “مشكلة داخلية”
أخطر ما في كلام روبيو هو نقله الصراع من كونه نزاعًا بين دولتين إلى كونه مشكلة “إسرائيل مع حزب الله داخل لبنان”.
تحوّل يحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة:
– إسقاط صفة “العدو الخارجي” عن إسرائيل في الخطاب الأميركي.
– تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية مباشرة عن نشاط حزب الله.
– فتح الباب قانونيًا وسياسيًا لتبرير أي عمل عسكري إسرائيلي باعتباره موجّهًا ضد “فاعل غير دولتي” داخل دولة “غير قادرة”.
بمعنى آخر، واشنطن تعمل على تحييد لبنان كدولة وإبقاء ساحة الصراع مفتوحة داخل أراضيه.
ثانياً: شرعنة الضربات الاستباقية الإسرائيلية
إصرار روبيو على “حق إسرائيل في الدفاع” قبل وقوع الهجمات يعكس تثبيت مبدأ الضربة الاستباقية كقاعدة عمل:
– توسيع هامش الحركة العسكرية الإسرائيلية في الجنوب.
– تقليص فعالية أي اتفاق لوقف إطلاق النار، عبر إدخال استثناء دائم.
– إعطاء غطاء سياسي لضربات قد تكون وقائية أو حتى تقديرية.
هذا يعني عمليًا أن “وقف إطلاق النار” الذي وصفه بالفريد، هو وقف هشّ، قابل للخرق في أي لحظة تحت عنوان “التهديد الوشيك”.
ثالثاً: الرهان على الجيش اللبناني: بين الواقع والوظيفة السياسية
يطرح روبيو حلاً يقوم على تمكين الجيش اللبناني ليقوم بمهمة “ملاحقة حزب الله ونزع سلاحه”.
هذا الطرح يحمل ثلاث طبقات:
1. البعد العملاني
– إدراك أميركي بأن الجيش لا يمتلك حاليًا القدرة العسكرية أو السياسية لتنفيذ هذه المهمة.
– الحديث عن “وحدات مدقّقة” يشير إلى نموذج شبيه بقوات نخبة مرتبطة مباشرة بالدعم الغربي.
2. البعد السياسي
– محاولة إعادة تشكيل دور الجيش من قوة وطنية جامعة إلى أداة في توازن داخلي حساس.
– دفع الدولة اللبنانية إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله.
3. البعد الاستراتيجي
– استبدال التدخل الإسرائيلي المباشر بدور لبناني داخلي، ما يخفف الكلفة على إسرائيل ويزيد الضغط الداخلي في لبنان.
لكن هذا الطرح يصطدم بواقع أساسي:
التوازنات الداخلية اللبنانية لا تسمح بمواجهة مفتوحة بين الجيش وحزب الله دون مخاطر تفكك الدولة.
رابعاً: تمهيد غير مباشر لمسار تطبيعي
رغم نفي الوصول إلى مرحلة “اتفاقيات أبراهام”، إلا أن إدخال هذا السؤال في المقابلة ليس عابرًا.
هناك مؤشرات واضحة على:
– ربط الاستقرار الأمني في الجنوب بمسار سياسي طويل الأمد.
– طرح فكرة أن المشكلة ليست بين “لبنان وإسرائيل”، ما يمهّد نفسيًا لفكرة التطبيع.
– استخدام ملف حزب الله كعائق يجب إزالته قبل أي انتقال سياسي.
بمعنى أدق: تفكيك دور حزب الله هو المدخل الأميركي لأي إعادة تموضع لبناني في الإقليم.
خامساً: المنطقة العازلة: إعادة إنتاج نموذج الاحتلال المقنّع
حديث روبيو عن الوجود الإسرائيلي كمنطقة عازلة يكشف قبولًا أميركيًا ضمنيًا باستمرار هذا الواقع:
– إعادة إنتاج تجربة الشريط الحدودي لكن بصيغة جديدة.
– منح إسرائيل دور “حارس أمني” بدل احتلال مباشر.
– تكريس واقع ميداني يصعب تغييره لاحقًا عبر المفاوضات.
سادسا: التقدير العام للموقف
يمكن تلخيص الاستراتيجية الأميركية كما يلي:
– احتواء التصعيد دون إنهاء أسبابه.
– نقل عبء المواجهة إلى الداخل اللبناني.
– شرعنة حرية الحركة الإسرائيلية ضمن سقف “الدفاع”.
– تهيئة بيئة سياسية مستقبلية للتطبيع.
سابعا: السيناريوهات المحتملة
1. استمرار الوضع الحالي (الأرجح)
– وقف إطلاق نار هش.
– ضربات إسرائيلية موضعية.
– ضغط أميركي متزايد على الدولة اللبنانية.
2. تصعيد محدود
– توسع الضربات الاستباقية.
– ردود محسوبة من حزب الله.
– بقاء الصراع تحت سقف الحرب الشاملة.
3. انفجار كبير (أقل احتمالًا لكن خطير)
– فشل ضبط الاشتباك.
– انزلاق إلى مواجهة واسعة.
ثامنا: الخلاصة
كلام روبيو ليس مجرد توصيف، بل هو خارطة طريق أميركية تقوم على إعادة تشكيل المعادلة اللبنانية: من “دولة تواجه عدوًا خارجيًا” إلى “دولة مطالبة بضبط فاعل داخلي تحت رقابة دولية”.
وهذا التحول، إذا استمر، سيضع لبنان أمام معادلة شديدة التعقيد: إما التكيف مع الضغوط الدولية وإعادة تعريف دوره الأمني، أو مواجهة مرحلة طويلة من الاستنزاف السياسي والأمني.





