خاصاقتصادسياسة

حاكم مصرف لبنان …. هذا ما يريده

خاص – بيروت بوست

شكّل بيان حاكم مصرف لبنان انتقالاً نوعياً من مرحلة تبرير الخسائر إلى مرحلة الهجوم القانوني المباشر، عبر مسارين متوازيين: ملاحقة أفراد وشبكات متهمة باستنزاف أموال المصرف، وتثبيت حق مصرف لبنان بمواجهة الدولة لاسترداد مليارات الدولارات التي وُضعت بتصرّف الحكومات المتعاقبة.

ورغم أن هذا المسار لا يَعِدُ المودعين باستعادة ودائعهم سريعاً، إلا أنه يضع للمرة الأولى أساساً قانونياً ومالياً لكسر ثقافة الإفلات من العقاب، وإعادة توصيف الأزمة بوصفها أزمة سوء إدارة وفساد ممنهج، لا قدراً مالياً. النجاح هنا ليس مضموناً، لكنه شرطٌ لا غنى عنه لأي تعافٍ حقيقي أو استعادة للثقة.

أولاً: الدلالة العامة – انتقال مصرف لبنان من موقع الدفاع إلى الهجوم

يمثّل هذا البيان تحوّلاً نوعياً في خطاب ودور مصرف لبنان. للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة، لا يكتفي المصرف المركزي بتبرير الخسائر أو توصيفها، بل ينتقل إلى:

  • تسمية الأفعال (اختلاس، تبديد، إثراء غير مشروع، تبييض أموال)،
  • تحديد المسؤوليات (مسؤولون سابقون، شركات، مستشارون، لا “القطاع ككل”)،
  • فتح مسارين متوازيين:
    1. ملاحقة داخلية وخارجية لأفراد وشبكات
    2. مواجهة مالية–قانونية مباشرة مع الدولة اللبنانية نفسها.

هذا التموضع يعكس إدراكاً بأن استمرار الضبابية يعني تثبيت الانهيار، وأن أي إعادة ثقة – داخلية أو دولية – تمرّ حكماً عبر كسر حلقة الإفلات من المحاسبة.

ثانياً: المسار الأول – الملاحقات القضائية: بين العدالة والرسالة

1. الأثر المالي المباشر

من الناحية المالية الصرفة، يجب التحلّي بالواقعية:

  • استرداد الأموال المنهوبة لن يكون سريعاً،
  • حجم السيولة الممكن تحصيلها على المدى القصير محدود نسبياً مقارنة بالفجوة المالية الكلية،
  • إلا أن قيمة هذه الملاحقات ليست فقط رقمية، بل نظامية.

الأهمية هنا تكمن في:

  • كسر منطق “الخسائر بلا مسؤولين”،
  • فتح الباب أمام حجوزات أصول فعلية (عقارات، حسابات، محافظ مالية)،
  • خلق سابقة قانونية تُستخدم لاحقاً في أي خطة تعافٍ أو توزيع خسائر.

2. الرسالة للقطاع المصرفي

حرص البيان بوضوح على:

  • الفصل بين المصارف كمؤسسات وبين أشخاص محدّدين،
  • استثناء المصارف التجارية ككيانات من الاستهداف المباشر.

هذا التفريق مقصود لتجنّب:

  • انهيار إضافي للثقة،
  • هروب رساميل محتمل،
  • أو شلل تام في أي مسار لإعادة هيكلة القطاع.

لكن في المقابل، طلب المعلومات عن تحويلات كبار المصرفيين وPEPs يشكّل رسالة ضغط عالية السقف:

المرحلة المقبلة لن تكون “إدارة أزمة”، بل تدقيقاً في السلوكيات.

ثالثاً: المسار الثاني – مواجهة الدولة: أخطر ما في البيان

1. قلب الرواية المالية للأزمة

أخطر ما ورد في البيان هو:

الإيحاء بأن الدولة مدينة لمصرف لبنان بمبالغ تفوق بثلاثة أضعاف الرقم المعترف به رسمياً (16.5 مليار دولار).

هذا الطرح:

  • يعيد توصيف العلاقة بين الدولة والمصرف المركزي،
  • ينزع عن مصرف لبنان صفة “المموّل الصامت”،
  • ويضع الدولة في موقع المدين لا الضحية.

إذا ثبُت هذا المسار قانونياً:

  • تصبح الخسائر سيادية بالدرجة الأولى،
  • ويتعزّز منطق تحميل الدولة الجزء الأكبر من الفجوة،
  • ما ينعكس مباشرة على أي نقاش حول:
    • شطب الودائع
    • الهيركات
    • أو توزيع الخسائر.

2. المخاطر السياسية–المالية

هذا المسار يحمل مخاطر كبيرة:

  • صدام مباشر مع السلطة التنفيذية والنيابية،
  • تعطيل محتمل لأي تسوية سياسية حول التعافي،
  • خطر تحويل الملف إلى نزاع مؤسساتي طويل.

لكن في المقابل، هو المسار الوحيد القادر على إعادة الاعتبار لمفهوم المال العام، ووضع حدّ لاستخدام المصرف المركزي كـ”خزنة طوارئ” بلا محاسبة.

رابعاً: البعد الدولي – شرط لا غنى عنه لاستعادة الثقة

التحرّك الخارجي (فرنسا، سويسرا، لوكسمبورغ…) ليس تفصيلاً:

  • هو رسالة مباشرة لصندوق النقد والمؤسسات الدولية،
  • يؤكد أن لبنان – عبر مصرفه المركزي – مستعد للالتزام بالمعايير القضائية العابرة للحدود،
  • ويعيد إدخال القضاء الدولي كرافعة ضغط فعلية.

لكن النجاح هنا مشروط بـ:

  • الاستمرارية،
  • عدم تسييس الملفات داخلياً،
  • وتوفير غطاء سياسي–قانوني يمنع نسف المسار من الداخل.

خامساً: تقدير موقف – ماذا يعني ذلك للمودعين؟

واقعيّاً:

  • هذا المسار لا يعيد الودائع قريباً،
  • لكنه يضع أول حجر فعلي في مسار استعادتها.

اقتصادياً:

  • استرداد الأصول شرط مسبق لأي توزيع عادل للخسائر،
  • من دون هذا المسار، كل الخطط تبقى محاسبية على حساب المودع.

نظامياً:

  • نجاح هذا النهج قد يؤسس لمرحلة جديدة من:
    • الحوكمة،
    • استقلالية القرار النقدي،
    • وربط المسؤولية بالسلطة.

نحن أمام أخطر وأجرأ بيان مالي–قانوني يصدر عن مصرف لبنان منذ 2019.
هو ليس خطة تعافٍ، ولا حلاً فورياً، بل إعلان معركة طويلة:

  • مع شبكات النفوذ المالي،
  • مع ثقافة الإفلات من العقاب،
  • ومع الدولة حين تتحوّل من راعٍ إلى مستهلك للمال العام.

نجاح هذه المعركة غير مضمون، لكن الفشل في خوضها كان يعني حتماً تكريس الانهيار كقدر دائم.وهنا، تحديداً، تكمن أهميتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى